بسمات من سورة يوسف -عليه السلام- 3 من 5

بقلم فضيلة الشيخ إبراهيم بن الأخضر بن علي القيم

شيخ القراء بالمسجد النبوي الشريف

 

قال الله – تبارك وتعالى -: {إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيه يَا أَبتِ إِنِّي رَأَيْتُ أحد عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ} (4) سورة يوسف.

إن القرآن الكريم لا يقص علينا القصص لمجرد المتعة الكلامية وجمالية القصص، وإنما يجمع بين الحِكَم التوجيهية لحياتنا بذكر القصص السابق؛ ليكون لنا منها ما يطمئن القلب والنفس إلى أن القرار الذي نتخذه يتبع تجربة سابقة كريمة وعظيمة؛ فليست تجربة شخصٍ أو شخصين مثل تجربة نبي، وليس صدق تعامل حكيم أو حكيمين كتعامل نبيّ؛ إذ في أخلاق النبوات مجال رحب يفهمه من حضر ومن غبر، ويبقى فيه ذكاؤه وعاقبته. وأول صورة في هذا السياق القرآني الكريم شريف الطباع المتأصلة بين والدٍ كريم وولدٍ نبيل.

وأول ما تفوّه يوسف بهذا الكلام كان لوالده وهو أحنُ الناس عليه، وأرأفهم به، وأقربهم إليه. ماذا يعني هذا الأمر للمجتمع؟

إن في مجتمعنا من الأبناء من ينصحه والده بأمور حساسة ليجتنبها فلا يزيده نصح والده إلا عناداً. فإذا نهاه عن السهر أمعن فيه، وإذا نهاه عن طريقٍ خاطئ سخر منه، وإن منعه عن الخبائث قال لا أقدر على تركها.. وهناك والد قال لولده: إني أرى في المنام أني أذبحك. فردّ الابن ببساطه وهو يقول له: {يَا أَبَتِ} بهذا الجمال وهذا العطف والحنان في موضع تزهق فيه الأرواح {… يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ…}، بل شجعه أن يقوم بذلك، وسيجده إن شاء الله من الصابرين.

فالتقارب بين الأب والأبناء هو الذي يعطي مساحة ذاتية للتربية، فإذا كان الوالد ينشط في حفظ أولاده فلا يجد منهم إلا بُعداً ونفوراً فكيف سيكون التناصح فيما بينهم؟

وإذا كانت الأسرة في مسمّاها بوجود الوالد والوالدة والأمر ببرّهما معطّل في كلّ صوره عند بعض الناس تُرَى ما هو المراد بهذا؟ وما المطلوب إنقاذه؟

إن التواصل في المجتمع له شُعَبُه، وأخطرها شُعْبة التواصل الأسري؛ إذ هي الأقوى والأكثر إلحاحاً وفائدة.

وإن قصة يوسف – عليه الصلاة والسلام – تُظهر جلب مسافة القرب المطلوبة بين الولد ووالده. وهناك جزء يصنعه الوالد، وجزء يصنعه الابن، والتئام الجزءين يعطي مسمى جديداً، اسمه «الأسرة الصالحة».

{إِنِّي رَأَيْتُ أحد عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ…}

إن الرؤى هي فترات انتقال روحي في وقت زوال التكاليف عن الإنسان، ولكن الروح متحررة في ذلك الوقت من الأعمال البدنية كافة، مع قيامها بواجباتها الدائمة، كتشغيل بعض الحَواس واستمرار بعض اللوازم البدنية، كحركة القلب والدم وتشغيل الخلايا، وتهدئة البعض الآخر؛ فتتحرر الروح من كثيرٍ من الأعمال؛ ما يوجد فرصة للرؤى وفق مؤثرات لا شعورية في الحياة. ومهما طالت الرؤيا في قصتها وما فيها فإنها لا تتجاوز أربعين ثانية على ما يرى فيها الإنسان من أسفار وأعمال ومقابلات، فإنها تتم ضمن الأربعين ثانية أو أقل. وقد تقع الرؤيا بعد إيحاءات نفسية في اليقظة؛ إذ يصادف أن تقول لإنسان سوف ترى كذا وكذا في الرؤيا، ثم يأتيك فيخبرك أنه فعلاً رأى ما قد أخبرت به.

وخصّ الله – سبحانه – أنبياءه بشفافية روحية في قضية الرؤيا؛ لكونهم لا يخبرون بشك أو منطق غير آمن. ولأن كلامهم يدور حول عصمة الكلام وخروجه من مخرج الحق الصافي كانت رؤياهم حقاً لا مرية فيه، ولا دخل فيه للمؤثرات النفسية. وكون الناس يرون الرؤيا فيقولون: «رأيت»، فإن الأنبياء أيضاً يستخدمون الاصطلاح نفسه.

هذا فيما يتعلق بقضية الرؤيا. أما ما يتعلق بالبيان الجميل في قصة يوسف – عليه السلام – ورؤيته التي قصها على والده الكريم – عليهما السلام – فسنكملها في الأسبوع القادم.

 

* (نشرت هذ المقالة في جريدة الجزيرة- الرياض، العدد 15716، بتاريخ 25 ذو الحجة 1436 هـ، الموافق 9-10-2015 م).