بسمات من سورة يوسف -عليه السلام- 2 من 5

بقلم فضيلة الشيخ إبراهيم بن الأخضر بن علي القيم

شيخ القراء بالمسجد النبوي الشريف

 

الحمدُ للهِ جليلِ النعم، باعثِ الهمم، ذي الجودِ والكرم، جعل لأهلِ القرآنِ مزية وأيّ مزية ومنزلةً رفيعةً علية، ثم الصلاةُ والسلامُ التامانِ الأكملان على خيرِ البريةِ وأزكى البشرية، محمدِ بن عبدِ الله، صلى الله عليه وعلى آله صحبهِ وسلم. أما بعد:

في قوله تعالى: {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ{

قال – سبحانه وتعالى – مخاطباً خطاب المكرمات والعطايا الطيبات لحبيبة سيد البشر: {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ}. لما بعث النبي – صلى الله عليه وسلم – بأنوار هذا الدين كانت السوق الرابحة لبني الثقافات في الأرض هي سوق القادرين على التكلم من منطق التصاقهم بالغيب، وقد برع اليهود في هذا الشأن وهم بعد أن أفسدوا على النصارى دينهم وعبثوا بدينهم وعَرَّفوا النصارى أنهم فعلوا ذلك بهم بل تمادوا في بجاحتهم وصفاقة خلقهم بأن قالوا للنصارى نحن قتلنا المسيح وصلبناه وليس لكم إلا أن تصنعوا صلباناً تصنعون عليها تمثالاً تسمونه المسيح في هذه الصورة القبيحة، ولو كان للنصارى عقل لرسموا صورة المسيح في شكل بهيٍّ لا في شكل ينم عن تاريخ مقيت، ولكن اليهود هم من رسم هذه الأفكار، وروجوها لسخفاء العقول، وانطلت الحيلة على النصارى فضلوا بما رسمه اليهود لهم!

إذن لم يبق في السوق من يأتي بخبر أو فكرة يصدقها الناس أو يرتضيها أحد إلا اليهود فهم يزعمون أنهم أهل الكتاب وأنهم أهل الله وأحباؤه مع سوء في المكيل والمقيس وتوصلوا بحيل كلامية إلى إقناع الأغرار من الناس ثم بدؤوا يرسمون صوراً من السخافات العقلية الأسنة عن الأنبياء شرفهم الله ويذكرون أنها هي في كتبهم ويذكرون أنهم مصدر الوحي الحقيقي وأن الناس لا يحكون ما يرتبط بالسماء وأن كتبهم هي المرجع الوحيد في الدنيا!

ثمّ شعّ نور الهداية من مكة ببعثة خاتم الأنبياء والرسل، فعلموا يقيناً أن الرسالة لن تكون لهم مستقبلاً وأنهم لن يكونوا متبوعين بمجيء النور المبين وأن القصص الكاذب والافتراءات الزمنية والتاريخية قد بَطل عملها واضمحل أثرها وأن الحق سيزيح الباطل وأن الباطل زاهق لا محالة.

فالتمس اليهود طرقاً شتى لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من تاريخهم عسى أن يكون لهم موقف قدم في التاريخ الجديد للبشرية التي سطعت عليها شمسُ الحقيقة فأضاء النور وانقشع الظلام وكان من خصائص القرآن الكريم أنه يحتوي على القصص والمقصود منه نقل الحقائق بدقة ليست في مقدرة البشر، وأن هذه الحقائق ستبقى كما هي لن تتغير لكون القرآن محفوظا كما أنزل على محمد – صلى الله عليه وسلم – لن يتغير ولن يتبدل.

والحديث بلهجة العظمة فـ(نَحْنُ) فيه ملحظ: انطلق من أول حرف في اللسان والفم إلى آخر حرف في الحلقوم أي النون والحاء، وفي هذا صورة لكمال الحقيقة وانقطاع أمل المؤمل في زيفها وهو صورة الكبرياء الرباني العظيم، إذ يقول لعبده (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْك) فلن تكون في حاجة إلى من يخبرك الزمان أو حاضر الأيام، وأنت بحكم صدقك وقرابتك يا محمد – صلى الله عليه وسلم – من الأنبياء أولى من يعرف حقائقهم ويقدس ويرى في حياتهم حياة عظة في الصبر والحلم والتجربة والحكمة، وسيكون لك في تاريخهم معيناً تغترف منه في كل موقف من مواقف حياتك ما يكون لك زاداً وعتاداً وأنت تحمل صفة الوفاء لقدوتك من الأنبياء والرسل، فأنت الذي ستبلغ البشرية بما حدث لهم وكأنك تشاهدهم بكل منزلة كأنك ترى موسى – عليه الصلاة والسلام – وقد فقد سمكاته، وترى داود – عليه السلام – يصنع دروعه، وتشاهد إبراهيم في مشاهد التوحيد والإعلان عنه، وترى إسماعيل، وإسحاق، ويعقوب، فأنت الذي ستبلغ البشرية بالحق أما قصص اليهود فسيلقى بها في مزبلة التاريخ.

وفي القصص شيء مستحسن وشيء مستقبح، أما هذا القصص الذي سنقصه عليك فهو أحسن القصص فمن يجازيك وقد جعلت لأمتك لكل صلاة يصلونها عليك عشر حسنات.

 

* (نشرت هذ المقالة في جريدة الجزيرة- الرياض، العدد 15709، بتاريخ 18 ذو الحجة 1436 هـ، الموافق 10-2-2015 م).