اللقاء الحصري والموسع مع شيخ قراء المسجد النبويّ الشيخ : إبراهيم الأخضر بن علي القيم

المقدمة

الحمد لله الذي اصطفى في كل عصر قراء مجودين وحفظة مسندين، جعلوا القرآن مَسْلاتهم بالغدو والآصال، فهم وإياه في حل وترحال، نخبة وفقهم الله لِطِلاَبِ كتابه، وقواهم على رعايته وحراسته، وحبب إليهم قراءته ومدارسته، وهون عليهم الدأب والكلال، وبذل النفس مع الأموال، وركوب الخوف مع الأهوال، فهم يرحلون من البلاد إلى البلاد خائضين في تحصيل قراءاته وأسانيده كل واد، لا يقطعهم عنه جوع ولا ظمأ، ولا يُملهم منه صيف ولا شتاء، مائزين لصحيح القراءات من السقيم، والشاذ من الفاذ.

ومن هؤلاء العلماء الذين اتصلت بهم أسانيد القراء؛ مَنْ أسعد الحفاظ بعلمه ومدرسته، العالم الفاضل، من يشار إليه بالبنان في علم التجويد والأداء ؛ شيخنا الكبير ، الشيخ المحقق ، والمقرئ المدقق ، شيخ القراء بالمسجد النبوي؛ إبراهيم الأخضر بن علي القيم، تولى الإمامة بالحرمين الشريفين؛ صلى بالناس إماماً في المسجد الحرام ثم في المسجد النبويّ، له عناية كبيرة بالأداء القرآني حتى أصبح مدرسة يرجع إليه فيه، تميزت مجالسه في الإقراء بالفوائد الكثيرة المعتبرة والأساليب الجديدة المبتكرة، انفرد بطرائق مشوقة لفهم القرآن الكريم وتعلمه وتعليمه، له دراية ورواية واختيار في علم الوقف والابتداء، كما أنّ له عناية ومحبة لتلاميذه ومحبيه وطلابه ومن يقرأ عليه، ، قرأ على كبار المشايخ والعلماء؛ كالشيخ حسن الشاعر والشيخ أحمد الزيات والشيخ عامر السيد عثمان -رحمهم الله-، ولازم الشيخ العلامة عبدالفتاح بن عبدالغني القاضي-رحمه الله- أكثر من ثلاث عشرة سنة فأفاد منه علما كثيرا واستفاد، ومن مشايخه الشيخ عبد العزيز بن صالح إمام وخطيب المسجد النبوي، والشيخ عبدالله الغنيمان؛ أستاذ العقيدة بالجامعة الإسلامية وغيرهما، سجَّل مصحفا برواية حفص عن عاصم من طريق الشاطبية في مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف في المدينة المنورة ، وهو الآن في المراحل النهائية من تسجيل مصحف بـرواية ورش _على وجه توسط البدل_ عن نافع من طريق الشاطبية، خَلَفَ شيخه الشيخ حسن الشاعر في مشيخة القراء بالمسجد النبوي، له جهود كبيرة ومؤثرة في حركة القراءة والإقراء في المملكة العربية السعودية، من أجل مشايخي الذين تعلمت على أيديهم وتلقيت عنهم وأخذت منهم وأسندت إليهم، لازال يقرئ ويعلم في مجلسه للإقراء بالمسجد النبوي، متع الله به على طاعته وأحسن ختامه ونفع به المسلمين.

سيرته ونشأته

ولد شيخنا –حفظه الله- في المدينة النبوية في يوم السابع من شهر ذي الحجة لعام 1364هـ ، في محلة تسمى (الساحة)، والتي هدمت الآن ودخلت في توسعة المسجد النبوي.

نشأ في أسرة –متوسطة الحال- قامت على الزراعة والفلاحة ، حيث والده وجده لأمه يعملان في التجارة والفلاحة.

بدأ تعليمه في مدرسة (دار الحديث) بالمدينة المنورة ، ثم انتقل إلى مدرسة (النجاح) وكانت تسمى مدرسة (النجاح الأميرية) ، فحصل منها على الشهادة الابتدائية ، ثم التحق بالمعهد العلمي السعوديّ ودرس فيه لمدة سنتين ، ثم تحول للدراسة في المدرسة الصناعية وتخرج منها عام 1379هـ ، ثم التحق ببعثة دراسية فسافر إلى مصر لمدة سنتين ودرس في معهد يسمى (جنكليز) أو معهد التدريب المهني ، ثم رجع إلى السعودية وعين موظفا في وزارة المعارف في إدارة التعليم الصناعي ، ثم انتدب مدرسا في مدرسة الأحساء الصناعية، ثم رجع بعد ذلك للعمل في وزارة المعارف في مدينة الرياض ولمدة سنتين، ثم انتقل إلى المدينة المنورة وعمل مدرسا في المدرسة الصناعية الثانوية ، ثم ابتعث إلى إيطاليا عام 1388هـ ولبث فيها قرابة السنة والنصف ، ثم عاد إلى أرض الوطن ليعمل مدرسا في المدرسة الثانوية الصناعية بالمدينة المنورة ،ثم كانت بعد ذلك رحلته مع القرآن الكريم.

وهي رحلة عجيبة ؛ مليئة بالدروس والعبر، رواها لي -حفظه الله- أكثر من مرة، وفي كل مرة يقصها عليّ تفيض عيناه بالدمع ؛ شكراً لله تعالى على ما أعطاه وأولاه، وخصه واجتباه بما لم يكن في حسبانه ولا توقع منتهاه، صبر في تلك الرحلة وصابر، وجد فيها وثابر، حتى أصبح -بفضل الله تعالى عليه- مرجعا كبيرا في القراءة والإقراء ، ومدرسة معتبرة في التجويد وعلم الأداء.

قال حفظه الله : بدأت رحلتي مع القرآن الكريم بصحبة ثلة مباركة من الصحب والأصدقاء؛ على رأسهم عمدتهم وأكبرهم ؛ السيد شهاب أحمد رضوان ، والشيخ إحسان صديق ، والأستاذ أحمد الدرديري، والأستاذ باتع حمد سميحة، وشيخ الدرس؛ الشيخ عمر الحيدري وغيرهم.

قررت تلك الرفقة المتآلفة استئناف درس يومي لحفظ القرآن الكريم في بيت أحدهم ، وبدؤوا المشروع المبارك ، وبعد فترة من قيام هذا الدرس -ولم أكن قد بدأت معهم- كان أحد أصدقائي المحبين يفاتحني ويحثني على الإنضمام إلى هذا الحلقة القرآنية غير أني لم اتخذ في ذلك قرارا ، وما زال يلح ويلزم عليَّ ويراجعني في ذلك حتى شرح الله صدري، وبدأت معهم في الحفظ والمراجعة، والتزمت بالحضور والتردد على الدرس حتى أتممت -بفضل الله- حفظ القرآن الكريم.

قلتُ : فكان أن ما حصل من قيام ذلك الدرس وانضمام الشيخ إليه ليقضي الله أمرا كان مفعولا؛ فيكون ما قضاه الله من أمر الشيخ، وينعم الله على الأمة بعالم من كبار القراء والمجودين في علم التجويد والقراءات.

قال الشيخ الأخضر : وتعرفت في يوم من الأيام على الشيخ حسن الشاعر (تـ1400هـ) في المسجد النبويّ، فبدأت بالقراءة عليه وكأنه – رحمه الله- كان ينتظرني ، فلازمته زمنا طويلا أفدت منه واستفدت ، فكنت اختلف إلى درسه للقراءة عليه بعد صلاة العصر من كل يوم.

كان أول مجلس مع الشيخ حسن الشاعر لا ينسى ! حضرت ذلك المجلس فسألني: هل أنت تحفظ القرآن الكريم ؟ قلت: شئ بسيط ، فقال: كم تحفظ ؟ فقلت: حالة تعبانة ، فقال: كم ؟ فقلت: أحفظ من سورة البقرة إلى سورة الإسراء ، فقال لي: هل تعرف التجويد ؟ قلت نعم ، وكنت أظن أن التجويد أن تتنحنح ثم تقلد الحصري في قراءته،  فبدأت أول مجلس في القراءة عليه، فعرف من قراءتي أن لا أعرف من التجويد شيئا ! فقال لي : تعال كل يوم لأدرسك، فصرت أتردد عليه يوميا حتى تم الختم وحصل المقصود.

ثم قرأ الشيخ الأخضر على الشيخ الشاعر القراءات السبع من طريق الشاطبية بتوجيه وطلب من شيخه الكبير؛ وذلك لما رأى فيه من النبوغ والذكاء وشدة الحفظ والاستحضار.

قال عنه تلميذه الشيخ إبراهيم الأخضر : شيخنا الشيخ حسن الشاعر؛ مربٍ فاضل، وأستاذٌ جليلٌ، اجتمع في شخصيته؛ الحافظ المتقن، والمعلم الصبور، مع جواهر كثيرة من خلقه السمح، وروح الفكاهة والدعابة، فكان محط أنظار الجميع، فألقوا إليه رياسة الإقراء، ولم يجرؤ على الإقتراب منها أحد طوال حياته، كما أظهروا احترامهم لذات شخصه، كان متأنقاً في حديثه وملبسه، مقبلا على التعليم والتدريس، لا يشعر بتعب السنين التي أمضاها في حقله، الذي اخضر بأفعاله الحميدة وأخلاقه النبيلة، فإذا أهلت طلعته في مكانٍ التفت الجميع لرؤيته مع إجلالٍ واحترامٍ وتقديسٍ لحامل القرآن الكريم، وكان موفقاً في التعليم، محباً للجميع، لا ترى من الناس إلا راغباً إلى الشيخ، إذا مشى وسط السوق تسارع أهل السوق للسلام عليه، ولا تفارقه بسمةٌ هي من طبيعته، فهو في بيته والدٌ، وفي درسه والدٌ، في قلبه شفقةٌ ورحمةٌ على طلابه، ويعطي كل واحد منهم على قدر ملكته في التحصيل، وكان أعجوبةٌ في الزمان بحفظه وإتقانه للقراءات، لم تغب عنه منها واردة أو شاردة رغم بلوغه مائة وثمانية وثلاثين عاماً؛ قضاها في تعليم القرآن وتعلمه، أسأل الله له جنات النعيم.

ثم تتلمذ شيخنا الأخضر على العالم الفاضل، والمحقق  الكامل، والحجة المعتبر؛ الشيخ/ عامر السيد عثمان شيخ عموم المقارئ المصرية –رحمه الله- (ت1409هـ)،  فكان يتغانم فرصة وجوده في مواسم الحج والعمرة، حيث قرأ عليه مرات كثيرة وفي مجالس متعددة بالقراءات المختلفة؛ كرواية حفص وقراءة حمزة والكسائي وغيرها ،  وكان يتشرف بخدمته وقضاء حوائجه ، كما كان يكتب له بعض ما كان يحتاجه من الكتب من مكتبة  عارف حكمت بالمدينة المنورة، طلب منه شيخنا الأخضر وقتا للقراءة، فأجابه قائلا : لا أجد لك وقتا إلا قبل الفجر بساعتين، كان صاحب صلاة وعبادة، وكان لا يترك الإقراء لازدحام الناس للقراءة عليه، فتارة في  المسجد والبيت، وأخرى في الطريق، وأوانًا في العزيمة وغير ذلك، حتى أنه كان يقرئ في وقت انتظاره وانتقاله من مكان إلى مكان.

والشيخ الكبير عامر السيد عثمان في حياته ومماته عظة وعبرة ، تلاميذه من الوزراء والأطباء وكبار المحققين، قرأ عليه الشيخ المحقق والفقيه المدقق والعالم الكبير؛ عبدالعزيز عيون السود كما ذكر ذلك في إجازاته، كان الشيخ عامر في أول أمره موظفا بسيطا؛ يعمل في فرن للخبز، حتى أراد الله به خيرا، فسخر له الشيخ الكبير علي سبيع من علماء الأزهر المتصدرين، والذي تبناه وأنعم عليه بالإقراء والتعليم، وكان يقول له : اصبر يا عامر فسيكون لك شأن، حتى كان ما كان من أمره؛ فطار في الأمصار خبره، ورفع الله في العالمين ذكره، وأعلى بالقرآن بين الخلق منزلته، حتى قال شيخنا الأخضر : ولقد رأيت رئيس وزراء مصر؛ د.حجازي، يُلْبِسُ الشيخ عامر حذائه وهو خارج بصحبته من باب المجيدي في المسجد النبوي، شارك في اللجنة العلمية لطباعة المصحف الشريف ولجنة التسجيلات في مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، كانت وفاته ليلة الجمعة أو صباحها في المدينة المنورة ، أخذ أبنائه بتحضير الجنازة وإنهاء مستلزمات الدفن ، لم يخبروا أحدا من تلاميذه أو محبيه، طلبت الشرطة جواز الشيخ لتسليم جثمانه الطاهر إلى أبنائه والتصريح بدفنه، غير أن جوازه لم يكن متوافرا لظروف عطلة نهاية الأسبوع، حيث كان جوازه محفوظ لدى جهة عمله؛ مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف ، يقول ابنه إبراهيم : ففتحت مصحفا كان موضوعا على طاولة رئيس الشرطة وأشرت إلى اسم أبي وقلت له: هل تقرأ هذا الاسم من فضلك ؟ فقرأ الشرطيُّ بصوته : عامر السيد عثمان شيخ عموم المقارئ المصرية، فقلت له أنه هو صاحب الجنازة ! إلا يشفع له عمله في هذا المصحف لتسمحوا بإنهاء إجراءات دفنه على أن أحضر لكم جوازه يوم السبت، قال: فبكى رئيس الشرطة وقال: بل يشفع له وزيادة، وندعو له بالرحمة والمغفرة، ثم قاموا سراعا بتجهيزه والدفع بجنازته إلى المسجد النبوي وذلك عند صلاة المغرب ، قال شيخنا الأخضر : وبينما المؤذن يقيم الصلاة إذا بإبراهيم؛ ابن الشيخ عامر يبكي فقلت له ما يبكيك ؟ فقال توفي الوالد وهذه جنازته ! فغضبنا غضبا شديدا، وقلت له كيف يموت الشيخ الكبير ولا نعلم عن موته أو جنازته ؟ ثم همست في أذن الشيخ ابن صالح بأن الشيخ عامر قد انتقل إلى رحمة الله وسيقدم للصلاة عليه بعد المغرب، فأخذ يسترجع ويحوقل ويستغفر له، عاش الشيخ عامر السيد عثمان خادما للقرآن الكريم بكل وجه ممكن، وهو مع هذا لا يملك من متاع الدنيا شيئا، كان إذا استلم راتبه الذي لا يتجاوز الأربعين جنيها وزعه على الفقراء والمساكين من الطلاب وغيرهم، مات ولم يعرف عن موته أحد حتى قدم للصلاة عليه، وهكذا هم أهل القرآن الصادقين، حتى يستوفوا أجورهم كاملة عند مولاهم الكريم.

كما قرأ الشيخ الأخضر ختمة برواية حفص عن عاصم -على قصر المنفصل من طريق طيبة النشر- على الشيخ الكبير والمقرئ النحرير، أعلى القراء إسنادا، شيخ القراء والمقرئين؛ أحمد عبدالعزيز الزيات –رحمه الله- والذي توفي في القاهرة (عام 1425هـ) وقد لازمه فترة ليست بالقصيرة ، وكان يأخذه من المجمع إلى بيته؛ حيث كان الشيخ الزيات عضوا رئيسيا في اللجنة التي أشرفت على تسجيل المصحف الشريف للشيخ إبراهيم الأخضر.

ثم  انتقل الشيخ الأخضر بتلمذته وقراءته على الشيخ الحجة، والمقرئ الثبت، عالم الدنيا –كما يسميه-، إمام القراء وفرسان الأداء، أحد المشايخ الأربعة الكبار الذين تعاصروا ونفع الله بهم البلاد والعباد؛ الشيخ عبدالفتاح بن عبدالغني القاضي، أقول : انتقل الشيخ الأخضر بذلك إلى مرحلة أخرى ومرتبة عليا من حياته العلمية أهلته للرياسة والتصدر ؛ حيث لازمه أكثر من ثلاث عشرة سنة من خلال درس يومي يمتد من بعد صلاة المغرب إلى الساعة الحادية عشر ليلا ، وقرأ عليه القرآن العظيم ختمات متعددة؛ ختمة بالقراءات الثلاث من طريق الدرة المضيئة، وختمة أخرى بقراءة حمزة، كما قرأ عليه بروايات ورش وشعبة وغيرها من الروايات، كما أفاد منه كثيرا في علم التفسير واللغة والوقف والابتداء، حتى عدوه تكرارا لا يختلف لشخصية شيخه عبدالفتاح القاضي.

وكانت قراءته على الشيخ القاضي بشفاعة شيخ الشيوخ الشيخ عامر السيد عثمان والذي قال للأخضر حين سأله عن الشيخ القاضي : ده أكبر عالم الدنيا ! ولازم تقرأ عليه ! وشأشفع لك عنده إنشاء الله.

لقي الشيخ عامر الشيخ القاضي في المسجد النبويّ وقال له ما نصه: إن هذا إبراهيم الأخضر ابني، ضمه إليك ! وأفرغ ما في صدرك في صدره !

تعلق الشيخ الأخضر بشيخه الحبيب الشيخ عبد الفتاح القاضي كما تعلق القاضي بتلميذه البار إبراهيم الأخضر حتى كان لا يستغني عنه في سفر ولا حضر ، بل إنه كتب في وصيته أن يغسله ويكفنه تلميذه وحبيبه إبراهيم الأخضر.

طلبوا منه وأكثروا عليه أن ينزل إلى الحرم الشريف للإقراء والتعليم فكان يعتذر عن ذلك، وقالوا له أنت عاكف في بيتك على الشيخ إبراهيم الأخضر فلو نزلت إلى الحرم ليقرأ عليك الطلاب وتلقى الله تعالى بطلاب كثير يكون لك بسببهم الأجر والثواب فقال : يكفيني أن ألقى الله بالشيخ إبراهيم الأخضر! وكان حاضر في ذلك المجلس الشيخ إبراهيم عطية من مدرسي التفسير بالجامعة الإسلامية فقال للشيخ الأخضر: هرب منها شيخك وألقاها في رقبتك، فخذها بحقها !

قلت: وقد فعل، تقبل الله منه وغفر لشيخه وأستاذه.

وجد الشيخ القاضي في تلميذه الأخضر طلبه ومنيته؛ فأفرغ ما في صدره في صدره، واجتباه واصطفاه، وخصه بما وهبه الله من العلم الغزير وأعطاه، فعلمّه القراءة وحسن الأداء، وأفاض عليه من سيبه في التفسير والعربية وعلم الوقف والإبتداء.

استقطبت الجامعة الإسلامية أعلم أهل الأرض في علم القراءات للتدريس بكلية القرآن الكريم، وذلك بطلب من مدير الجامعة الشيخ الإمام عبدالعزيز بن باز –رحمه الله-، وكان من أول من استقطبوا للتعليم والتدريس الشيخ عبدالفتاح القاضي، قدم الشيخ الكبير إلى طيبة وحل فيها عالما كبيرا، تسابق العلماء وطلاب العلم للإفادة منه والقراءة عليه، بدأ يدرس في الجامعة الإسلامية ثم وجد نفسه يدرس طلابا مبتدئين في هذا الفن، لا يدركون شيئا من علوم التجويد والقراءات، وهو العالم الكبير الذي يتسابق إليه المنتهون في علم القراءات فلا يجدون إليه سبيلا ! فغضب لأجل ذلك وقرر أن يرجع إلى بلده ، لكنه آثر أن يسلم على مدير الجامعة قبل المغادرة، ذهب الشيخ القاضي إلى مكتب مدير الجامعة الشيخ بن باز للسلام عليه وتوديعه قبل سفره، فلما دخل عليه قام الشيخ الكبير بن باز من مكتبه وخرج لملاقاة الشيخ القاضي، وسلم عليه سلاما حارا، وجلس إلى جنبه، وقال له أهلا بأعلم أهل الأرض في علم القراءات، ثم قال مخاطبا عميد كلية القرآن في وقته الأستاذ الدكتور عبد العزيز عبد الفتاح القارئ حفظه الله نحن لم نحضر الشيخ القاضي ليقوم بتدريس الطلاب المبتدئين ! بل أحضرناه مستشارا يؤخذ رأيه ويستفاد من علمه لمن هم أهل للتلقي للأخذ عنه والتلمذة عليه -أو كلاما نحو هذا- ثم ودع القاضي –وكان لا يعلم عن نيته في ترك الجامعة أو سفره- وقال له قبل خروجه من مكتبه كل ما تريدون يا فضيلة الشيخ حاصل بإذن الله، ترسلون احتياجاتكم إلى مكتبنا مباشرة فيبت فيها إنشاء الله، ثم غادر الشيخ القاضي مكتب الشيخ باز وقد عدل عن سفره ورجع عن قراره بترك المدينة، وقال كلمته المشهورة : (دا الشيخ ابن باز حتة من بتوع الحسن البصري)، وكان بعد ذلك قراره واستقراره في المدينة، ثم كان ما أجراه الله على يديه من الخير الكثير في طيبة الطيبة حتى توفاه الله تعالى.

في آخر مجلس جمع الشيخ بتلميذه؛ خرج الشيخ الأخضر من درسه على شيخه القاضي الساعة الحادية عشر ليلا ، وكان أمره أن يراجع مسألة علمية ويأت لها غدا بجواب ، ودع التلميذ شيخه مقبلا رأسه ويده، ولم يكن يعلم أنه الوداع الأخير ! حيث في الصباح الباكر كان ما لم يكن بالحسبان، وإذا حل القضاء وجب الإيمان والتسليم ، استيقظ الشيخ القاضي لأداء صلاة الفجر، حيث توضأ ثم دخل في الصلاة ، وبينما هو يقرأ سورة الفاتحة في الركعة الثانية من الصلاة بدأت تثقل عليه القراءة ثم خر مغشيا عليه ، اسْتُدْعِيَ الشيخ الأخضر ثم ذهبوا بالشيخ القاضي إلى المستشفى وهو في غيبوبة كاملة ، لبث أياما معدودة في المستشفى، ثم نقل إلى القاهر بطلب من أولاده ، مكث قريبا من عشرين يوما في العناية المركزة حيث انتقل بعدها إلى رحمة الله.

ومن أجل مشايخه وأقربهم لقلبه الشيخ الكبير إمام وخطيب المسجد النبويّ ورئيس محاكم منطقة المدينة المنورة وعضو هيئة كبار العلماء الشيخ عبدالعزيز بن صالح رحمه الله؛ الذي أجمعت القلوب على حبه، واجتمع له ما لم يجتمع لغيره من المواهب والمناقب والمناصب، فقد تتلمذ عليه ولازمه زمنا طويلا حتى أصبح أمين سره أو يكاد ! وقد ترك في نفسه وشخصيته أثرا كبيرا لا يوصف، وكان ملازما له حتى توفاه الله تعالى.

وقرأ الشيخ الأخضر على الشيخ المحقق والعالم الزاهد العلامة/ عبدالله الغنيمان -أستاذ الدراسات العليا بالجامعة الإسلامية- في مختلف الفنون، ولازمه لفترة تصل إلى ثلاثة عشر عاما في درس خاص في بيته؛ وكان أول كتاب قرأه عليه كتاب التوحيد من صحيح البخاريّ، ثم كتاب إيثار الحق على الخلق لابن المرتضى، ثم كتاب مدارج السالكين لابن القيم وغيرها من الكتب، وقال عن تلمذته عليه : إنه عالم لا يقدر عليه أحد، ولقد أثر في حياتي كثيرا.

وكان للشيخ الأخضر مكانة وحظوة خاصة عند الشيخ عبد المجيد الجبرتي، إمام المسجد النبويّ وعضو هيئة كبارالعلماء، فجالسه وخالطه كثيرا، وكان الشيخ الجبرتي يأنس بقراءته حتى أحبه وركن إليه.

وكان بين الشيخ الأخضر  والشيخ عطيه سالم المدرس بالمسجد النبويّ والقاضي بالمحكمة الكبرى-رحمه الله- مجالس درس ومدارسة وعلم، حيث كان الشيخ عطيه سالم يقرأ القرآن على الشيخ الأخضر، والشيخ الأخضر يقرأ عليه في الفقه، وقرأ عليه الموطأ حتى بلغ باب الركاز.

كما حصلت له جلسات بحث ومراجعة مع العالم الفقيه الشيخ/ محمد المختار الشنقيطيرحمه الله- وكانت نقاشات كثيرة في مسائل الوقف والإبتداء.

وكان له مجالس صحبة ومودة -استفاد منها كثيرا- مع العالم والوجيه الكبير، إمام مسجد قباء لفترة تزيد على خمسين عاما؛ الشيخ/ عبدالحميد عباس رحمه الله تعالى، والذي كان صاحب رأي وحكمة، يستعين به الشيخ بن صالح في المهمات لوجاهته وخبرته، وصاحب صلاح وديانة، فكان الشيخ الأخضر يزوره ويلتقيه كثيرا.

وكان له مجالس أنس وأدب وعلم مع المحدث الكبير الشيخ/ حماد الأنصاريّ-رحمه الله-.

كما كان له لقاء أسبوعي مع ثلة من المشايخ والعلماء منهم : الشيخ حماد الانصاري، والشيخ بن زايد شفاه الله وعافاه، والشيخ حمد السيف، والشيخ الدكتور عبدالعزيز القارئ، والشيخ عبدالله الخربوش إمام المسجد النبويّ، والشيخ الربيعان إمام وخطيب مسجد قباء، وغيرهم، وصحبهم في جمعتهم تلك ؛ الشيخ عبدالعزيز بن باز أكثر من مرة.

هذا هو الشيخ إبراهيم الأخضر في طلبه للعلم وتلمذته، وهؤلاء هم مشايخه وأساتذته؛ علماء كبار، ومشايخ فخام ، فجئني بمثلهم ! علما وإمامة، رواية ودراية، علوا واتصالا في الأسانيد وتفوقا، تعلم على أيديهم، ونهل من علمهم، وارتوى من معينهم،  فلا غرو إن كان هذا الأسد من أولئك الأسود.  

ثناء العلماء عليه

طلب الشيخ إبراهيم الأخضر من الشيخ عبدالفتاح المرصفي –رحمه الله-(ت1409هـ) أن يقرأ عليه فرفض بشدة، وقال : أنت زميلي، فلا أسمح لك بالقراءة عليّ،  فكان الشيخ المرصفي يجل الشيخ الأخضر ويبجله ويعرف له فضله.

وقال عنه الشيخ عبدالمجيد الجبرتي إمام المسجد النبوي وعضو هيئة كبار العلماء : الشيخ إبراهيم الأخضر أول من أدخل القراءة الصحيحة في الحرمين الشريفين.

وكان له عند الشيخ ابن صالح : مكانة ومكانا، ونزلا ومنزلا.

وكنت سألت الشيخ علي بن عبدالرحمن الحذيفي عن أقرأ الناس في علم القراءات بالمدينة المنورة فقال : الشيخ إبراهيم الأخضر والشيخ محمد تميم الزعبي.

وقال شيخ المقاري بالديار الشاميّة الشيخ محمد كريم راجح : أشهد أنه شيخ قراء المدينة.

وقال عنه المقرئ المحقق والإمام الزاهد الشيخ أبو الحسن الكردي شيخ مقارئ زيد بن ثابت بدمشق : الشيخ الأخضر هو الإمام الوحيد الذي لا يختلف أدائه خارج الصلاة وداخلها.

وقال عنه الشيخ المحقق محمد تميم الزعبي : ومصحفه الصوتيّ من أفضل المصاحف المسجله في مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف.

وقال عنه الشيخ الدكتور إبراهيم بن سعيد الدوسري وقد رأني ملازما للقراءة على الشيخ : عرفت فالزم، وعليك بالشيخ فإنما الصيد في جوف الفرا.

وقال الشيخ عبدالله بن منيع عضو هيئة كبار العلماء : كنت أقرأ في الكتب عن القراءة المفسرة، ولم أدرك معناها حتى صليت خلف الشيخ إبراهيم الأخضر بالمسجد الحرام.

وله عند الشيخ عبدالله بن عبدالعزيز بن عقيل رئيس الهيئة الدائمة بمجلس القضاء الأعلى-سابقا- محبة خاصة، ومودة لا يكاد يخفيها.

وكان مشايخه يحبونه ويبجلونه : كثيرا حتى أنهم كانوا يبادرونه بالهدايا ويخصونه بها، فهذا الشيخ الزيات كان لا يأتي من مصر إلا بهدية معه، وكان القاضي ينزل يوما مخصوصا من إجازته ليبحث عن هدية مناسبة لتلميذه الأخضر، ومثله كان الشيخ عامر وربما خصه ببعض كتبه.

تلاميذه ووفائه لشيوخه وطلابه

وأما تلاميذه فمن أعجب من رأيت، وذلك أنهم على نسق واحد من ضبط الأداء وجودة القراءة وإتقانها وإن تفاوتوا في تلقيهم عنه وضبطهم وإتقانهم، فلقد ترك فيهم الشيخ أثرا كثيرا لا يزول مع تقادم العهد ومرور السنين، وهاهنا أذكر باختصار نماذج مضيئة من أولئك التلاميذ ولست بصدد حصرهم أو الإحاطة بهم فليس هذا مكانه.

  1. الأستاذ الدكتور/ عطا لله بن ضيف الله الرحيلي، أستاذ السكر وأمراض الغدد الصماء، من أوائل من تلقوا عن الشيخ وأخذوا منه، بدأ القراءة على الشيخ عام 1390هـ، ولبث -حتى يتم الختم- بضع سنين، يذكر أنه استفاد من الشيخ الأخضر في الأداء وعلم الوقف والابتداء، عرض القراءات على كبار المشايخ والمسندين، نفع الله به في قرآنه وطبه فأجرى على يديه ما لا يحصى من الخير، تقبل الله منه ونفع به.
  2. الأستاذ الدكتور/ إبراهيم بن سعيد الدوسري، مقرئ الرياض الكبير، الباحث المحقق ، والمقرئ المدقق والأستاذ المتخصص في القراءات وعلومها بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، جامع للقراءات من طريق الشاطبية والدرة ومن طريق الطيبة، قرأ على الشيخ الأخضر ختمة برواية حفص عن عاصم، ثم استأنف ختمة أخرى بالقراءات الثلاث من طريق الدرة، محكم وخبير في المسابقات المحلية والدولية، وعضو محكم في كثير من المجلات العلمية، جعل الله في بحوثه ودراساته خيرا وقبولا كثيرا، من أجل مصنفاته : تحقيق ودراسة كتاب/ المصباح، وكتاب/ المتولي وجهوده في علم القراءات، له تسجيل صوتيّ في مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف برواية ورش عن نافع، سمعت الشيخ الأخضر كثيرا يقول عنه : الشيخ إبراهيم الدوسري عالم كبير في فنه ليس له مثيل.
  3. فضيلة الشيخ/ عبدالمحسن بن محمد القاسم؛ إمام وخطيب المسجد النبويّ، والذي قرأ على الشيخ الأخضر ختمة برواية حفص عن عاصم، حيث كان يرحل إليه من بلده ؛ الرياض في الإجازات حتى أتم الختم وحصل المقصود، وكانت قراءته في حدود عام 1411هـ وما بعدها، قرأ على كبار المشايخ كالشيخ الزيات والحذيفي وغيرهم له مجالس درس وتعليم في المسجد النبوي.
  4. فضيلة الشيخ/ عبدالله بن عواد الجهنيّ؛ إمام الحرم المكيّ، قرأ على الشيخ الأخضر ختمة برواية حفص عن عاصم، تخرج في كلية القرآن بالجامعة الإسلامية وواصل دراسته العليا في جامعة أم القرى، وقرأ على كبار المشايخ والمقرئين، وقد رزقه الله صوتا نديّا يسعد القلوب.
  5. الشيخ المقرئ/ فؤاد بن مصطفى بن كمال الحسن، من كبار تلاميذ الشيخ وأميزهم في التلقي عنه والإسناد إليه، أخذ القراءة عن شيخه بتفاصيلها الدقيقة وأسرارها الكثيرة، فأفاد من شيخه واستفاد، وصل لما وصل إليه بتوفيق الله تعالى له ثم برحلته في طلب هذا العلم الشريف على شيخه وأستاذه، وبصبره ومصابرته فكان في جهاد عجيب ! ومثابرة لا تنتهي، لا يكل ولا يمل، ربما رحل للمدينة ليقرأ على شيخه الأخضر مجلسا واحدا ثم يرجع من يومه لبلده مكة وهو في غاية الفرح والسرور، وربما صادف وجود الشيخ الأخضر في مكة فلا يطلب منه القراءة ! لأنه يرى أن هذا العلم من مثل ذلك الشيخ المحقق والمقرئ المدقق حقه أن يتعب في تحصيله ويرحل إليه، نفع الله به نفعا عظيما فقرأ عليه الطلاب من مكة ومن خارجها، كثيرا ما سمعت الشيخ الأخضر يثني عليه ويفخر به في المحافل ويوصي بعلمه ويحيل التلاميذ إليه.
  6. الشيخ/ محمد مكي هداية الله؛ شيخ المحكمين في المسابقات المحلية والدولية في المملكة العربية السعودية، حيث يعتبر من أقدم الحكام المشاركين في تلك المسابقات، قرأ على شيخه الأخضر ختمات بالروايات المختلفة، له مصحف مسجل يذاع في الإذاعة السعودية، من رموز العمل القرآني بمكة المكرمة، ، مشرف وموجه تربويّ في سلك التعليم له مجلس إقراء في بلده.
  7. ومنهم تلميذه وخليله الشيخ/ يوسف الشويعيّ، فله مع شيخه صحبة لا توصف، ومعزة لا تدرك فتذكر، كثيرا ما سمعت شيخنا يثني عليه ويدعو له ويقول عنه: أما الشيخ يوسف الشويعي فإنه كتلة من الوفاء لا يجازى إلا بالدعاء !
  8. الشيخ/ إبراهيم الزهراني؛ الذي أخذ القراءة عن شيخه بحقها، قرأ على الشيخ الكبير بشفاعة شيخه وأستاذه الشيخ فؤاد الحسن، فلما وصل للمدينة وبدأ القراءة ، سُرَّ به شيخه الأخضر وأعجب من فطنته ودقة ضبطه، وحال لسانه يقول : مثلك تفتح له الأبواب وتيسر له السبل،يعمل محاضرا في كلية المعلمين بمكة، قرأ على شيخه الأخضر/ ختمة برواية حفص، ثم أفرد القراءات الثلاث من طريق الدرة المضية، إمام وخطيب، ذو علم غزير، ومحكم مشارك في المسابقات المحلية والدولية، أجمع الحكام في مسابقة الأمير سلمان المحلية للقرآن الكريم في السنة التي شارك فيها متسابقا على منحه جائزة أحسن أداء بمبادرة لم تكن لأحد بعده أو قبله وذلك تعبيرا عن إعجابهم لضبطه وحفظه، له مجلس إقراء في مسجده وحَيِّه.
  9. ومن تلاميذه الشيخ المتقن الضابط/ محمد البرهجي، ويعمل محاضرا في الجامعة الإسلامية، من أوائل الذين أخذوا عن الشيخ وتلقوا عنه، له عند شيخه مكانة ومكانا، يوصي به ويحيل التلاميذ للقراءة عليه.
  10. ومنهم صاحب الصوت الشجي والأدء النديّ الشيخ/محمد أبو زيد، على درجة عالية من الضبط والإتقان، معلم محترف، وأستاذ قليل مثله، مشارك في تدريب الأساتذة والمعلمين، وموجه في حلق التحفيظ في جمعية التحفيظ بالمدينة المنورة.
  11. ومنهم الشيخ الحافظ والأستاذ الضابط/ إلياس البرماوي، نال -بعد توفيق الله- بحرصه وجده واجتهاده خيرا كثيرا، قرأ على كبار المشايخ والمقرئين والذين لا يحصون كثرة، قرأ على شيخه الأخضر ختمة برواية حفص عن عاصم، واستأنف عليه ختمة بالقراءات العشر لكنها لم يتمها، نفع الله به طلاب القرآن وحافظيه، قرأ عليه كثير الطلاب  القرآن ومتون التجويد، من أجل ما ألف كتابه/ إمتاع الفضلاء بتراجم القراء، يعمل موجها ومشرفا في حلق التحفيظ بالمدينة المنورة.
  12. ومنهم الأستاذ الفاضل والمقرئ الكامل/ سلمان طاشكندي، دَرَسَ الرياضيات ودَرَّسَها، ثم فتح الله عليه في الحفظ والقراءة وعلم القراءات فكان ما كان من أمره، لازم الشيخ إبراهيم الأخضر حتى صار لا يعرف إلا به، قرأ القرآن الكريم برواية حفص ثم بقراءاته العشر إفرادا على شيخه حتى أفرغ الشيخ ما في صدره في صدره، طلب منه شيخه أن يجلس إلى عمود قريب منه في المسجد النبويّ ليحيل إليه التلاميذ للقراءة عليه، فأشبه سيرة الإمام قالون مع شيخه نافع.
  13. ومنهم الشيخ الكامل والمقرئ الراحل في طلب القرآن وقراءاته/ عادل بن عبدالرحمن السنيد، له رحلة لا تنتهي في تحصيل هذا العلم الشريف، شهد له مشايخه وأقرانه بالضبط والإتقان، قرأ على كبار المشايخ والمسندين، على كثرة ما لقي من المشايخ والمقرئين فإنه لا يخفي إعجابه الشديد بشيخه وتمسكه به، قرأ عليه ولا يزال برواية حفص عن عاصم، له جهود في خدمة القرآن مشهودة مشكورة تأهل ثم تصدر فصار له مجلس للإقراء في جامع العقيلي بمدينة الرياض.
  14. ومن أضبطهم المقرئ الحاذق/ تركي بن عبدالله السبيعيّ، له عند شيخه الأخضر حظوة ومكانه، يخصه كثيرا بنصحه وتوجيهه، من ثقته فيه فإنه يحيل الطلاب إليه ويوصي من استوصاه بالقراءة عليه ، ضابط في التلقي كما هو ضابط في الأداء، قرأ على شيخه القرآن بروايات مختلفة له جهود خيرة في العمل القرآني حيثما حل أو نزل، معلم في وزارة التربية والتعليم، ومدرب لمعلمي القرآن من أنحاء المملكة، يقرئ ويعلم القرآن في المسجد النبويّ.
  15. ومنهم الشيخ الدكتور/ علي عطيف، شيخ  جازان ومقرئها، نفع الله به في بلده ومسقط رأسه حتى أصبح مرجعا للعمل القرآني، محكم مشارك ومدرب ومحاضر في الكثير من الدورات التي تقام لتدريب معلمي القرآن الكريم من أنحاء المملكة قرأ على الشيخ ولا يزال برواية حفص عن عاصم فأفاد منه واستفاد.
  16. ومنهم الشيخ/ عبدالناصر بن خديش الشريف، مقرئ الشعراء وشاعر القراء له في رحلة الوفاء لأهل القرآن قصص تروى ملك قلب شيخه فحظي عنده بالقبول، من الشعراء المجيدين، والقراء المجتهدين، قرأ ولا يزال ختمة برواية حفص عن عاصم، سخر شعره وموهبته للقرآن وللوفاء لأهل القرآن.
  17. ومنهم المهندس خليفة الطنيجي من الإمارات العربية المتحدة، والذي رحل للقراءة على الشيخ حتى حصل مبتغاه.
  18. ومنهم الشيخ المتقن وصاحب الأداء المحبر باسم اللحياني المحاضر بجامعة أم القرى.
  19. ومنهم الشيخ عبد الله برناوي المحاضر بكلية المعلمين بمكة.
  20. ومنهم الشيخ أمين المزيني المحاضر بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة الحافظ المتقن وصاحب الأداء العالي الذي قرأ على شيخه بروايات مختلفة فحصل منه علما كثيرا.
  21. ومنهم المعلم المتميز إبراهيم بن عبد الرقيب أستاذ في دار الفرقان الذي أفرغ جهده في تعليم النشء وتحفيظهم.
  22. والشيخ صلاح فلاته.
  23. والشيخ الطيب محمد.
  24. ومنهم عمر عبد الرحمن عثمان الشفيع.
  25. وأحمد عبد الوهاب.
  26. والخطاط البارع مسعود حافظ وغيرهم كثير.
  27. وأمَّا المقرئة الجامعة / زينب سيدات أحمد عبدالله، فتلك سيرة عطرة ونجاح ماله نظير، حافظة متمكنة، وأديبة في العربية بارعة، وقارئة معتبرة، من أعظم مناقبها برها الشديد بوالدتها حتى أصبحت مضرب المثل وعنوانه، فلا تقدم على والدتها شيئا من أعمال الدنيا، فنالت بذلك البر العجيب الثناء الحسن في الدنيا، وعند الله الجزاء الأوفى، سارت على خطى شيخها الكبير فأجرى الله على يديها خيرا كثيرا، لها جهود مؤثرة على حركة الإقراء في أوساط النساء الحافظات بالمدينة المنورة، عرضت القرآن الكريم على الشيخ الأخضر مرات متعددة؛ مرة برواية حفص عن عاصم، ومرة بالقراءات السبع من طريق الشاطبية ،ومرة بإفراد القراءات الثلاث من طريق الدرة المضية، لا زالت تقرئ وتعلم وتدرس، نفع الله بها وبعلمها.
  28. ومنهنّ الحافظة المتقنة/ عائشة هوساوي، وهذه المرأة لها شأن عجيب، كان شيخنا يقول عنها : إن عائشة أخذت القراءة عني بالمسطرة، فكانت من أجود من تلقى عنه القراءة وعلم القراءات، عرضت عليه القرآن العظيم ختمات عديدة إفرادا وجمعا  للقراءات، قرأت عليه ختمة برواية حفص عن عاصم، فلما ضبطت وأتقنت وتأهلت شرعت في ختمة بالقراءات السبع من طريق الشاطبية، ثم استأنفت إفراد القراءات الثلاث من طريق الدرة المضيئة، أجرى الله على يديها نفعا عظيما ، استقر بها المقام في منطقة القصيم للإقراء والتعليم فكان لها دور كبير في رعاية الحافظات من المعلمات والطالبات.
  29. ومنهنّ الأستاذة والمربية الفاضلة/أم مجاهد ثريا شافعي من مدينة فادن في جزيرة سومطرة في أندونيسيا، سيرتها قصة أخرى وشرح يطول، مكثت زمنا طويلا في الحفظ والتعليم حتى كادت أن تترك الحفظ وتيأس من طول الطريق، وكانت قراءتها على شيخها الأخضر أشد مشقة وصعوبة، ولكنها صبرت إلى أن فتح الله عليها بما لم يكن في حسبانها من الحفظ المتمكن وجودة الأداء، حتى صارت مرجعا مهما للحافظات والطالبات ، وكان إنتاجها متميزا من التلميذات، وتزاحم للقراءة عليها الطالبات من داخل المملكة وخارجها، تميزت بقدرتها الفائقة في تحفيظ وتلقين كبيرات السنّ من الجدات والأمهات متعلمات وغير متعلمات، لا زمت الإقراء كل وقتها فجعلت القرآن مسلاتها بالغدوّ والأصال، فهي وإياه في حل وترحال.

قالت عن شيخها الأخضر : لقد اتبعت منهجه في الإقراء ، وأخذت بنصائحه، منها قوله لي : “المعلمة تعطي طالباتها أفضل ما عندها ، وتأخذ منهن أفضل ما عندهن” ، ولا أنسى تشجيعه لي حين يأست من إكمال السند بعد طول المدة بقوله : “من سلك  الدرب وصل ” ، ومما عرفته به : العطاء بلا حدود ، وعدم انتظار المقابل  يبذل من وقته ويفتحه أبواب بيته لطالبي العلم وباحثي الحق.

  1. ومنهنَّ الأستاذة والمربية الفاضلة/صفاء كردي والتي هي سليلة عائلة كريمة وزوج من بيت كريم، شاركت في تحكيم مسابقة الأمير سلمان المحلية للبنات لأكثر من دورة، ومعها الحافظة المتقنة الأستاذة/ سارة الدخيل والتي هي  محكمة معتمدة للمسابقات المحلية ولها حلقة إقراء مباركة نفع الله بها، ومنهنَّ الأستاذة/ سحر الخاني وأختها/الأستاذة عفاف جعفر، وكثير لا يسع المقام لذكرهنَّ، نفع الله بهنَّ، وأجرى على أيديهن الخير والنفع العميم.

هؤلاء هم طلاب الشيخ إبراهيم الأخضر. منتشرون للإقراء والتعليم ، يظلون ينهلون من علمه، ويأخذون من معين رأيه، يوجههم ويرشدهم، ولا يبخل عليهم بالنصح والإرشاد، نساءً ورجالاً، ملك قلوبهم فصاروا لا يصدرون  إلا عن رأيه، حتى صار طلاب الأخضر ينسبون إليه.

يوصيهم دائما بالتأني في عملية الإقراء، واحترام مبادئ القراءة، وعدم التهاون أو التنازل عن ذلك، مهما كانت الضغوط ، يقول لهم : أنتم تتعاملون مع القرآن الذي لا يقبل أي تنازل أو مساومة.

وفائه لأهله ومشايخه وتلاميذه

وأما قصته مع الوفاء فموضوع يطول شرحه، وتعجب من وصفه، فعنايته بشيخه ابن صالح كانت ولا زالت مضرب المثل والتقدير عند من يعرف ذلك ويطلع عليه، فقد كان أيام حياته أمين سره ومستودع خبره، يشاوره ويعول عليه وربما أوكل له مهمات يؤديها، وكان الشيخ إبراهيم الأخضر يتعاهد شيخه الكبير؛ عبد العزيز بن صالح في أيام مرضه وعلته أكثر من تعاهده له في أيام جاهه وصحته، حيث كان يزوره أيام مرضه كل يوم حتى توفاه الله تعالى، ولا يزال مستمرا في وفائه لشيخه؛ فيكثر من ذكره، ويدعو له ويترحم عليه، وهو إضافة لهذا وذاك يقوم وبصفة دائمة منذ وفاة الشيخ بن صالح بزيارة مجلسه بعد المغرب من كل سبت !

قال عن الشيخ عبدالعزيز بن صالح :

كان رحمه الله مدرسة قائمة بذاتها، تجلت فيها معاني الأدب ودروس الوفاء، بدأ منذ نشأته في تلقي العلم وحفظ القرآن، ثم تدرج في مسالك ودروب الحياة، ليجعل من نفسه إنسانا فريدا، جعل الله له مهابة في أعين الناس، رزقه قوة المنطق وحنكة السياسة؛ فدانت له القضايا الصعبة، اختار من صفات الرجولة الكرم فقرعَ صَفَاتَهَا، توشح بصفاتها، وحبب إليه صفاء القلب من الحسد، ونظافة الأيدي من قنص الدنيا، فلم يكن له في طريقها أثر، وما اجتمعت القلوب على حب رجل في المدينة مثل ما أعطي الشيخ، والعجيب في أمره أنه كان يدير أدارة القضاء؛ والأصل أنها تورث الضغائن والكراهية والبعد، ولكنها كانت في شأن الشيخ بعكس ذلك، أحب أهل المدينة حباً شديدا بكل طبقاتهم، وكان مع الكرام كريما، ومع الأخيار خيرا، وعلى السفهاء هراوةً تقرع رؤوسهم وأبدانهم، اختاره الملك عبد العزيز رحمه الله ليكون قاضيا في المدينة، وقال بالحرف الواحد : إنه من شدة حبه للمدينة أهداهم قضاة محكمته؛ وهم : الشيخ الخيّال، والشيخ الزاحم الكبير، وبن صالح، ونال التقدير من ملوك آل سعود الذين تعاقبوا حتى توفي الشيخ وهو على رأس العمل، ولم يمنحوه تقاعداً رغم بلوغه من السن ما يؤهله لذلك، كتب بيده أحكام الشريعة في هذه الدولة المباركة، وحرس بعينه رموز الفضيلة فيها، وسمع بإذنه ما قاله الخصوم، ونطق بفمه بالأجوبة الشافية دونما تأثر أو توجيه من أحد، فكان موفقاً ومسدداً، فقد طهر يده من الغَلّ كما طهر قلبه من الغِلّ، ولو أن جسداً خلق بغير حسد في من رأينا من الناس لكان الشيخ، أسأل الله له عفوه وكرمه ورحمة واسعة.

ومثال آخر من مُثُلِ الوفاء؛ وفائه لشيخه الشيخ عبدالله الغنيمان، وقصصه معه أكثر من أن تروى، فهو يتعاهده بالزيارة والهدية كل ما سنحت سانحة أو وجدت الفرصة، قدم الشيخ الغنيمان في زيارة للمدينة وكان مشاركا في دورة علمية، فعلم عنه تلميذه البار الشيخ الأخضر، فذهب إليه في مكان دورته ودرسه في المسجد وصلى معه صلاة المغرب وبينما الشيخ الغنيمان يتأهب للجلوس لإلقاء درسه على الطلاب الذين غصت بهم جنبات المسجد إذا بالشيخ الأخضر يمشي متوجها إلى حيث يجلس شيخه الغنيمان، فسلم عليه وقبل رأسه ويديه وكان ذلك على مسمع ومرأى من جميع الحاضرين، وفي هذا ما لا يخفى من معاني التواضع والوفاء، كما فيه درس عمليّ لجمهور الحاضرين من الطلاب والدارسين على تلك المعاني التي جفت أو كادت ! فكأن حال الشيخ الغنيمان يقول لتلميذه البار إبراهيم الأخضر : فأنت وفيّ والوفاء قليل.

قال عن شيخه عبدالله الغنيمان :

صحبت الشيخ الجليل فألفيته جبلاً سمي إنساناً، وإنساناً ملئ إحساناً، فأنخت مطيتي بفنائه، ووجدت عِلْمَهُ في جفان كالجواب، وكَرَمَهُ في قدورٍ راسيات، فلمَّا ظفرتُ بِجِفْنَةِ جواد، تزودت منها بخير زاد، وضعَ عُودَهُ على نارِ المكارم، فارتفع دُخَانُهُ، وأعلى اللهُ بين الكرامِ مَكانَه، فلئن غاب عن ناظري فما غاب عن قلبي، وقد ملئت ذكرياته نفسي وروحي، وهكذا يكون أمثاله صورة من جمال الإنسانية في حقيقتها الخالصة، وأسأل الله له القبول في الدنيا والآخرة.

 ووفائه لشيخه المحقق عبدالفتاح القاضي معروف ومشهور، وسبق ذكر شيء منه.

قال عن شيخه عبدالفتاح القاضيّ :

طلبوا العلم على شيخهم       زمنا ثم إذا الشيخ طُلِبْ

غاب عن أعينهم لكنـــــــــه       ماثلٌ في كل قلب لم يغب

صورة محسنة ما تختفـــــــــي ومثال طيب ما يحتجب

هذا هو شيخنا الكبير عبد الفتاح القاضي !

هو عبارة عن العالم الذي لا يدعي أنَّه عالم، وهو القاضي الذي يميز أنواع الأحكام بدقة وإحكام، نمى في حدائق تسقى بماءٍ واحد ، وتعطي ثماراً مختلفةً، فكل مشيخة انتمى إليها اختار أطيب ما تزكوا به النفس من أخلاقها وعلمها، فاجتمعت له غررٌ ودررٌ؛ على رأسهم : الإمام الأكبر الشيخ الخضر حسين، والشيخ الجبالي، والشيخ محمود شلتوت، والشيخ عبدالله دراز، فكان بهم حفيا، ولعلمهم وعاء نقيّا، فأحبوه وأحبهم، وصاغوا من سبيكته ذهباً خالصاً زين الزمانُ به جيداً جميلاً، خدم القرآن فنال بركاته، كان خفيف الظل في جده وهزله، شديد الإحترام للعلم والعلماء، إلى درجة تزري بما يقدمه أبر التلاميذ، وكان يرى نفسه إنسانا عاديا مع ما جعل الله سبحانه وتعالى فيه من القبول لدى تلاميذه وأقرانه؛ إذ كان محل احترامٍ وتقديرٍ من الجميع، فأسأل الله له الرحمة والرضوان والجنة والغفران.

وهكذا كانت سيرته في المحبة والوفاء لكل من أسدى إليه معروفا، فكيف بمن علمه وأحسن إليه.

وأما وفائه مع أهله : ففيه درس عمليّ في الطاعة والامتثال لحديث النبيّ صلى الله عليه وسلم: (استوصوا بالنساء خيرا) وحديث: (خيركم خير كم لأهله)، فهو يوصيني بأهلي خيرا، ويذكر لي عن زوجته وأم ولده أم محمد، وكيف صبرت معه في أيام طلبه ودراسته كما صبرت معه أيام فقره وقلة الدنيا في يديه، ويتحدث عن تفانيها في خدمة أمه وأبيه بل في خدمة أجداده لوالديه، حتى ماتوا وهم عنها في غاية الرضى.

فهو يحترم زوجه غاية الاحترام، ويحفظ لها إحسانها ومعروفها وصبرها، ويبجلها كأشد ما يكون التبجيل، ويدعو لها، ويثني عليها حيث وجدت مناسبة أو كان سبب.

وأما وفائه لتلاميذه فعجب من عجب، فهو يسعى في رفعتهم ومساعدتهم، ويشفع لهم -بقدر استطاعته- متى ما استفزعوا به واحتاجوا إليه ، فلقد أحب تلاميذه فأحبوه، وعطف عليهم بأبوته وأحترمهم فأحاطوه بكل أنواع المحبة والرعاية والتقدير، تجد هذا جليا حيثما حل في بلد من بلاد تلاميذه، فتجدهم يتسابقون في استقباله والحفاوة به وضيافته بما لا يعرف لغيره، يحرص على حضور أفراحهم وأتراحهم حتى لو اضطر للسفر إليهم في بلدانهم، إذا ما كانت مناسبة فإنه يجمعهم ويضيفهم وهذا منه كثير، فهو مع تلاميذه حالة فريدة بصورة عجيبة جديرة بالتأمل والافتكار.  .

فهم يتسابقون شعرا ونثرا وفعلا في التعبير عن محبتهم له جزاء ما قابلهم  به من التعليم والمحبة والإحسان.

وقال الشاعر/عبدالرحمن المورعي:

يَهْفُو لَهُ مِحْرَابُهُ والمِنْبَرُ

والطيرُ والجبلُ الأشمُّ الأكبرُ

والكون يصغي والخلائق خشع

للشدوِّ والملكُ الكريمُ يسطِّرُ

فِي شَاطِئ الأَنْغَامِ يَزْهُو مَوجُهُ

وَعَلَى سَوَاحلُهُ يَبيِنُ وَ يَظْهَرُ

يَرْقَى عُلا الفِرْدوسِ فِي تَرْتِيلِهِ

آي الكتابِ وبالصَّدَارَةِ يَفْخَرُ

فمَتِى يُغَرِّدُ بُلْبُل الإيمَانِ في

رَوضُ الهِدَايَة فالجَوَاهِرَ يَنْثُرُ

يَكْفِيهِ فَخْراً في الزَّمَانِ بِأنَّهُ

فِي سِرْبِهِ صَوتٌ نَدِيٌ أَخْضَرُ

وقالت شَاعِرَتُهنَّ وقد صحبت درسه أكثر من سبعة عشر عاما :

يا شيخنا الأخضر تاج العلماء

من مثله في علمه البناء

قد كانت المرأة قبل علمكم

تخطئ في الإدغام والإخفاء

فأصبحت ماهرة متقنة

تروي لكل أوجه القراء

تفسر القرآن في أدائها

تخالها سلمى أو الفراء

وإليك بعضا من كلمات الحب والثناء ، مما فاضت به قريحة بعض طلابه ومحبيه، ونبضت به قلوبهم، وفاء له وعرفانا بما تفضل به على الأمة بأولى ما تصرف إليه الهمة من تعليم الكتاب العزيز وتدريسه واستفراغ الجهد فيه، وله عند ربه الجزاء الأوفى.

رحلة الشوق

 الشيخ الدكتور/ أحمد الحداد: مدير إدارة الإفتاء بدبي

زر طيــبـــــــة الــغـــــــــرَّا  وحــــــــــي   الأنــــــــــــــــــــورا

واقرأ عليه سلام ربي الأكبرا

 

وعلى الخليلين اللذين بجنبه      

أعني  به الصديق بدرا نيِّرا

 

وعلى الأمير أبي الفتوح مسدَّدٍ

من نوَّر الدنيا وبدَّد قيصرا

 

وأطل وقوفَك عند باب رياضِهم

واسأل من الرحمن عفوا أيسرا

 

فإذا فرغت من التحيةِ فليكن

من قصدك الميمون شيخاً “أخضرا”

 

شيخَ المدينة والحجاز وسيداً

ما قد رأيتُ بمثله ممن قرا

 

ذاك الهمام بفضله وبعلمه

وتراه إن لاحظتَ بحرا زاخرا

 

شيخٌ إذا لازمته لم تلفه  

إلا ودوداً إن تغب يوماً سَرى

 

قد يقطع الآفاق في لْمحٍ  إذا

رام اللقاء  وما يراه تعَسُّرا

 

لا ينثني عن عزمه حتى يرى

محبوبه فيقرَّ عينا أشهرا

 

من يقطع الآفاق في شوقٍ ومَن

يهتم للتلميذ هماً أكبرا؟

 

قل لي بربك هل رأيت ذوي العُلَى     

يُعنون بالأفراد إن أمرٌ طرا؟

 

الله أكرمه وعمَّم فضله

حتى غدت أخباره بين الورى

 

وإذا ختمت قصيدتي بتحية ٍ

فهي الصلاةُ على النبي أزكى الورى

ثم السلامُ من الإله يخصُّه

ولصحبه ومن اقتفَى وتأثرا

                   إلى شيخي إبراهيم الأخضر حفظه الله

 الشاعر/عبدالناصر بن خديش الشريف

عَلَمُ الْأَدَاءِ لدَيكَ يَمْثُلُ خَاشِعَا

شِعْرِي فَأَنْتَ حَبيبَهُ وَإِمَامَهُ

أَغْضى حياء من بيانك حرفه

ومهابة لما رآك أمامه

ماذا يقول وكيف يبدأ رحلة

في عالم هو للبيان قوامه

ملك الحروف قوامها وزمامها

وله المعاني ساقها قدامه

إن قام يقرأ  أطربت نغماته

أو قام يخطب لا تمل كلامه

فتعد في شغف اللقا أيامه

يعطيك من حلو الكلام قليله

تعليمه القرآن أمر رائع

لا لست تبلغ يا حبيب مرامه

بإشارة من إصبع إيضاحه

أو لفتة تغني الذين أمامه

لمحاته في عالم التفسير كم

جازت بنا حدا نهاب ورامه

يأتيك بالمعنى الفريد كأنما

وردٌ يُفتح باسما أكمامه

أشياخه الأعلام في درب الهدى

وعليهم نشر الهدى أحلامه

شيخ المقارئ في المدينة قبله

أهدى إليه علومه ومقامه

والشيخ عامر لست تجهل قدره

قدم الرسو وشيخه وإمامه

أما عن القاضي  فلا تسأل فقد

حمد الذين تخصصوا أيامه

ما زال أخضرنا يشم نسيمه

ويعب من سحر الهدى إلهامه

حذق القراءة من هداه مرتلا

مستظهرا تفسيره ومقامه

أما غنيمان العلوم وفقهه

فغذاه منه حلاله وحرامه

وحباه من جل العلوم هداية

تعلو السماحة في الردود خصامه

وإذا سألت عن ابن صالح شيخه

وحبيبه فلقد أثرت سجامه

في ذكريات الشيخ يسبح حالما

في كل سبت يستعيد غرامه

مهما أقول يظل حرفي عاجزا

وأراه يصغر إن أراد مرامه

والله يمتعنا بالاخضر إنه

طب القلوب حديثه وكلامه

قراءتي وتتلمذي عليه

كنت في مقتبل العمر وبداية الطريق -لم أقرأ على شيخ قبله- حينما انشغل فكري وتعلق قلبي للقراءة على شيخ القراء بالمسجد النبويّ ! لكن كيف الطريق إليه ؟ حصلت على رقم هاتفه، ثم هاتفته وسلمت عليه، وقلت له من دون مقدمات : أنا ابنكم من مدينة الرياض أريد أن أشرف بقراءة القرآن على فضيلتكم ! فقال لي وبدون مقدمات أيضا : تحصل البركة! هكذا من دون تردد أو اعتذار! فغمرتني الفرحة وملأ قلبي السرور حيث فاجأني بهذا القبول، ثم سألته أخرى : متى يكون الختم إن شاء الله ؟ فقال لي : الله أعلم ! عرضت الأمر على سيدي الوالد- حفظه الله- والذي شجعني وحفزني وشحذ همتي وأمدني بالمال، فحزمت أمري وجهزت نفسي للرحلة إلى المدينة المنورة بلد القراءة والإقراء، وصلت إلى طيبة الطيبة ثم اتصلت بالشيخ الكبير والذي كثيرا ما سمعت عن هيبته وشخصيته، فأخبرته بوجودي في المدينة، فضرب لي موعدا في مكتبه والذي هو قريب من بيته، ذهبت على الموعد فوجدته جالس ينتظرني واستقبلني استقبالا أخجلني، لما رأيت من حفاوته وعطفه وأبوته، سألني عن نفسي ووالديّ وبلدي، وأخذ يتحدث معيّ وكأنه يعرفني من قبل، ثم قال لي متى تريد الدرس ؟ قلت له كما ترون ! فقال لي درسك الساعة التاسعة صباحا كل يوم، بدأت الدرس الأول في اليوم الأول من قراءتي على شيخ القراء وانفتح لي بفضل الله وحده باب كبير من أبواب القراءة وعلم القراءات،  فكان هو معلمي الأول الذي تعلمت منه أصول القراءة وعلم الأداء، صبر عليّ وعلمني، فقرأت عليه ختمة كاملة برواية حفص عن عاصم على قصر المنفصل من طريق روضة ابن المعدل من الطيبة، ثم  جمعت عليه  القراءات العشر من طريق الشاطبية والدرة ختمة كاملة، وكان يخصني ويراعي ظرفي لظروف عملي ووظيفيتي، فربما سمح لي بالدرس بعد العصر وأحيانا لا أجد إلا بعد العشاء، وأحيانا يسمح لي أن أحضر في وقت راحته بعد الظهر لئلا يَفُوت درسي في ذلك اليوم ولو كان على حساب راحته، كان مجلس الدرس عامرا بالفوائد واللطائف؛ في اللغة وإعجاز القرآن، وفي علم الوقف والابتداء، حتى كتبت عنه أكثر من عشر دفاتر كبيرة، فدرس العصر يكون في المسجد النبويّ ودرس الفترة الصباحية في بيته العامر ؛ فأما درس الصباح فلا يقل عن ساعتين، ومع هذا وذاك فقد لبثت في الختمة الأولى أكثر من ست سنين وفي الختمة الثانية أكثر من سبع سنين، وكان يوصيني كثيرا بالصبر في طلب هذا العلم الشريف وتحصيله، ويذكر لي شيئا من سيرته في درسه وصبره مع مشايخه.

قال لي بعد ختمتي عليه بالقراءات العشر من طريق الشاطبية والدرة: أنت  باكورة إنتاجي في علم القراءات، فكان ذلك وساما على صدري، وشهادة تشرفني.

وقال لي:  أنت آخر طالب يقرأ علي القراءات جمعا ! فلن نقرئ بعدك إلا بالإفراد، وذلك لما يراه من أن طريقة جمع القراءات تذهب بالمقصود الأول من قراءة القرآن وهو ضبط الأداء وإتقان الحروف، ولهذا فقد خلفني في القراءة عليه بالقراءات طلاب كثير كلهم يقرؤون بالإفراد ؛ إما أن يفرد الرواية أو يفرد القراءة، أو يجمع بين أكثر من رواية أو قراءة إذا كانت وجوه التشابه بينهما أكثر من وجوه الخلاف وهكذا.

وقد جمعت عليه مع قراءة القرآن وقراءاته، قراءة بعض الكتب كالجزرية وشرحها لشيخ الإسلام أبي زكريا الأنصاري، وتفسير أبو السعود ثم تفسير ابن الجوزي: زاد المسير ثم تفسير النيسابوري، كما قرأت عليه في كتاب إعجاز القرآن للباقلاني، وكتاب أكثر من ألف ومائتي مسألة لأبي بكر الرازي وغيرها، وذلك في درسين أسبوعيا، فقد لا زمته لأكثر من عشرين عاما ولا أزال، سائلا الله العظيم أن يجعل ذلك كله خالصا مخلصا فيه لوجهه الكريم، فقد أفاض عليَّ من سيبه زاد الله سيبه، وأكرمني أكرمه الله من فضله، فلا أقابله إلا بالدعاء والوفاء، فجزاه الله عني خيرا.

وكان كثيرا ما يحدثني ويقول :

المسائل التربوية مهمة جدا عندنا في منهج تعليم القرآن الكريم، وهي يلزمها وقت طويل حتى يتعرف الناس على حقيقة الدرس الذي يتعبون في تحصيله، فلا يكون بينك وبين من تقرأ عليه ارتباط نفسي إذا كانت قراءتك عليه ختمة في أيام معدودات ! والنبي صلى الله عليه وسلم لم يحفل بالكمية وإنما كان يحفل بالنوعية، فعمر بن الخطاب أرسلوا إليه في معركة القادسية إن المسلمين في خطر الانكسار، وبحاجة لألف مقاتل، فأرسل إليهم المثنى بن حارثة قائلا لهم أما بعد : فقد أرسلت إليكم صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم يعادل ألف فارس، وهكذا المسلم حقه أن يحفل بالجودة والنوعية في كل شأن من شؤون حياته فما بالك حينما يتعلق الأمر بكتاب الله تعالى، فلا بد من تحري دقة الإنتاج وحلاوة الصنعة وسلامتها.

أسئلة وأجوبة

س- هل يحتمل الأداء القرآني الاجتهاد ؟

الأداء القرآني : هو عبارة عن روح الشخص نفسه ومقدرته على تعبير فهمه الخاص للآيات والفواصل، فشيخنا القاضي عندما كنت أقرأ عليه من سورة النمل قول الله تعالى : (ارجع إليهم فلنأتينهم بجنود لا قبل لهم بها) جعل يضحك ضحك تعجب ! ثم قال : أنت تنطق بالآية بطبقة من الصوت لا تتناسب مع حجم القضية التي جاءت بها الآيات الكريمة فكأنك بقولك (ارجع إليهم) ضمنتها أسلوب الخطاب العادي من خطاب لصبي أو انسان عاديّ، والحقيقة أن القضية المنوه عنها أكبر من ذلك؛ إنها قصة ملك عظيم ونبيٌّ مرسل جاء برسالة عظيمة ومن أجل قضية خطيرة هي سبب الخلق والإيجاد ؛ قضية عبادة الله عز وجل وتوحيده بالعبادة، فالأمر لا بد أن يكون له حضوره وقوته من خلال الأداء القرآني والصوت التعبيري عما فيه، وعلى هذا فإن كان المراد بالأداء القرآني ما ذكرناه آنفا فإنه يحتمل الاجتهاد.

أما إن كان المراد بالأداء القرآني  قواعد التجويد فإنها لا تحتمل الاجتهاد؛

فقواعد التجويد : هي صفات لقراءة النبيّ صلى الله عليه وسلم من حيث نقلها الصحابة إلى التابعين، وشُخِصت بهذه النصوص التي بين أيدي الناس والأسانيد الممتدة التي هي أصل النقل في ما بين السابق واللاحق، وهي شاهد قويٌ على الالتزام بالأداء، ولكون تسلسل الإجازة مرَّ بابن الجزريّ إلى الشاطبيّ إلى الدانيّ إلى القراء، فإن ذلك يعني الالتزام بما نقله ابن الجزريّ عن من فوقه بطريق الثقة المفروضة في مثل هذا، ومن يقول إني أقرأ بقراءة فلان أو برأي فلان في المسألة، فنقول إن كان هذا من طريق إجازتك، فلا بأس، وإن لم يكن من طريق إجازتك، فلا أظن هذا ممكناً، ولما كانت القراءة سنة متبعة كان الالتزام بتسلسلها فرع عن الأصل.

س- ما هو منهجكم في الأداء والذي تغرسونه في طلابكم ؟

كان الشيخ القاضي يقول: إن القراءة على ثلاث مراحل:

  1. المرحلة الأولى: أن يقرأ الطالب وهو يتعلم أحكام التجويد؛ كالتحفة والجزرية، وهي قراءة الكُتَّاب.
  2. المرحلة الثانية: قراءة العلماء؛ من تصحيح للحروف وتحقيق لهيكل الكلمة في ذاتها، وتحقيقها لما تشتمل عليه من الملحقات السابقة واللاحقة، ووضعها في عقد الآية نفسها، ثم إظهارها في الصورة الجميلة جداً حسب دلالة الكلام المنزل للأمر المنوه؛ وهذه مرحلة تعليمية تكون بتدخل الشيخ نفسه وإفهامه للطالب هذه النقلة النوعية ، وتعلم الطالب للجوانب البلاغية في الوقف والابتداء المترجمة لجماليات النص.
  3. المرحلة الثالثة: وهي أدق المراحل؛ وهي أن يقرأ الطالب بإحساس الشيخ دونما توجيه من الشيخ؛ أي: يعرف الطالب تماماً كيف يرسم المعالم في شكل صوت بحروف القرآن الكريم.

فيعطي جانب البشارة مساحة، والتخويف كذلك، والأمر والنهي والزجر، ولفت النظر، والالتفات، والتكامل الصوتي في الجمل التي بها جمل اعتراضية حتى يربط أول الموضوع بنهايته، وكثير من التفاصيل الدقيقة في هذا العلم.

والمنهج الذي نسير عليه بالترقي بالطالب أو الطالبة إلى أن يصبح موضوع الدرس شيء محبب إلى النفس؛ لأنه في كل يوم يزداد الدرس تجملاً، كما يتسع أفق الطالب كل يوم بمزيد من الرؤية الجميلة إلى الكنوز الموجودة في السبع المثاني والقرآن الكريم.

قلتُ: ولما رأى أحد تلاميذه دقة هذا المنهج في الإقراء، وتميزه على غيره، ومقدار الأثر الذي أحدثه في الطلاب والطالبات، أراد أن ينظم شيئا من معالم ذلك المنهج لتكون بداية لتوثيقه وتأصيله ليستفيد منه الناشئة والمتعلمين، وليغري من ينظر في هذا المنهج لفهم بعض أسراره فسبك منظومة سمَّاها “تنبيهات في الأداء” قال في بعضها:

إن معنى النبر إبراز الذي

قد قصدنا وجعلنا النبر لهْ

وهو كالوزن لميزان أتى

كل كيــــل بمكيل عـــــــدلهْ

وازن الكلمة تمضي دربها

لم تحد عنه كقيد الأنمـــــلةْ

إنه يختصر الــــــــدرب إلى

هندسات الكلمة المحتـــــملةْ

ليس بالغافل عن أضلاعها

كل ضــــلع حقه قد أكمـــــــلهْ

قصدنا الحرف بضلع فلتكن

موفيا تحريكه كي تكمــــــــــلهْ

اقرأ القـــــــــــرآن أظهر وعده

ووعيدا نال فــــــــــيه البطلــــةْ

ميِّز الأخبــــــــــار من إنشائها

بينن أنواعـــــــــــه المـــــــــتصلةْ

ما التمني يشبه النفي ومــــــا

في نداء شبه بالــــــــــــــــمسألةْ

والِترجي ليس كالنهي ومـــــا

غيرَ أمــــــرٍ معَ نهْــــــيٍ مــشكلةْ

س- لكم تجربة فريدة في باب الوقف والإبتداء؛ سواء في الإمامة أو في مجالس الدرس والتعليم،  حتى سلم لكم بذلك مشايخكم وتلاميذكم على حد سواء، كما كان لكم منهج في فهم بلاغة القرآن الكريم وأساليبه، فهل تذكرون كيف بدأت هذه الغرسة ثم نمت وكبرت حتى أصبحت عنوانا لمنهجكم في القراءة والإقراء

موضوع الوقف والابتداء كان هاجسا يؤرقني منذ بدياتي في تلقي هذا العلم الشريف، وكان لي أحيانا رأي مخالف لما هو متداولٌ بين الناس من مواضع الوقف والابتداء، ومع مرور الإيام وقدوم الشيخ عبدالفتاح القاضي إلى المدينة، وكان أول مجلس من مجالس القراءة عليه  من سورة قاف من قول الله تعالى : وأزلفت الجنة للمتقين غير بعيد، إلى آخر السورة ! وبعد أن انتهيت من القراءة قال لي : لماذا لم تقف على كلمة واستمع من قول الله تعالى : واستمع يوم يناد المناد من مكان قريب ! فقلت له ما قرأته في كتاب منار الهدى للأشموني وأنه يقول : ووقف بعضهم على واستمع وأني لا أذهب إلى الوقف عليه لأنه لم يعلل الوقف هذا من جهة ومن جهة أخرى  فيوم القيامة ليس فيه استماع! هنا القاضي انفرجت أساريره وسُرَّ بما سمع ، وما رأى من استعداد لما يحبه ويهواه، ثم أخذ يشرح لي معنى الوقف على : واستمع ، فعرفت أني ظفرت بالصيد الذي أبحث عنه وأن بغيتي ومرادي لديه، بدأت أبحث أكثر فأكثر في الوقف والابتداء، وَعَلِمَ الشيخ الكبير عبدالفتاح القاضي اهتمامي بالوقف والابتداء فكان يوقفني عند كل موضع وقف من القرآن الكريم فيشرحه ويسهب في توضيحه، وكنت في نفس الوقت أسأله عن وقوف وابتداءات أخرى كلما سنحت سانحة أو وجدت فرصة  أو كانت مناسبة، ورأيت أن حلمي تحقق مع الشيخ القاضي رحمه الله في فهم مسائل الوقف والابتداء، فلما ذهبت إلى مكة إماما في المسجد الحرام أخذت في القراءة بهذه الوقوف، والبحث عن المعنى الصحيح في ثنايا الآيات، فكانت البداية في مكة شرفها الله.

قلتُ: وقد أدركنا الصلاة مع فضيلته بالمسجد النبويّ لسنين فكنت أتعجب من وقفه وابتدائه ، وكأنه يطالع المصحف ومنه يقرأ ! فسألته : فضيلة الشيخ هل أنتم تستعدون بتحضير مواضع الوقف والابتداء قبل دخولكم للصلاة ؟ فقال لا ! ولكني إذا دخلت الصلاة بدأت بالقراءة وقرأت بما يفتح الله به عليّ من وقف القرآن وابتدائه.

وقف مرة على قول الله تعالى : في سورة القمر ( وقالوا مجنون) ثم بدأ: وازدجر ! فسئل عن هذا الوقف فوجهه بأني أريد أن أفرق بين قولهم وفعلهم !

س- ما هو اختياركم في مسألة ترقيق وتفخيم الراء في كلمة (ونذر) من قوله تعالى : (فكيف كان عذابي ونذر) ؟

أما مسألة الراء في كلمة (ونذر) فقد قرأتها بالترقيق في المصحف الصوتي المسجل في مجمع الملك فهد للمصحف الشريف ، وكانت قراءتي لها بالترقيق اختيار من اللجنة التي كانت تشرف على تسجيل المصحف ومنهم : الشيخ الزيات ، الشيخ سيبويه، والشيخ عبدالرافع رضوان، والشيخ محمود جادو، حيث أنهم أخذوا بمذهب الإمام المتولي بقراءتها بالترقيق وأنه الوجه المقدم في الأداء، أما أنا فقرأت على جميع مشايخي ومنهم الشيخ القاضي؛ بالتفخيم، ولم يذكر لي الشيخ القاضي وجه الترقيق مرة أو تعرض له، ولهذا فنحن قرأنا في المجمع بالترقيق وقرأنا على مشايخنا بالتفخيم، واختيارنا في إقراءنا بالتفخيم قولا واحدا.

س- لكم رأي في ما يسمى بتعانق الوقف في المصحف الشريف فما تعليقكم ؟

تعانق الوقف شيء لا أصل له، وأظنه نشأ من نشأة كتابة المصاحف العثمانية، فالذين وضعوا علامات الوقف والابتداء جاؤوا إلى أماكن لم يستطيعوا أن يرشحوا شيئا راجحا عندهم فجعلوا الوقف على موضع يمنع الوقف على الموضع الأخر، لكن كتب القدماء ليس فيها –فيما أعلم- هذا النوع من الوقف والابتداء، ولا بد أن يكون هناك وجه يرجح فيه الوقف على مكان معين وله دلالة، والسعي لمعرفته ضروريّ لفهم القرآن الكريم.

س- يقولون: صفة التكرار في الراء تعلم لتجتنب ! ما رأي فضيلتكم ؟

صفة تكرار الراء حصل فيها قديما جدل بين من يرى التكرير ومن لا يراه، ونص العلماء المتقدمين والمتأخرين على تكرار الراء في منظوماتهم وكتبهم، وظهر قوم بمقولة ذكروا فيها: أن التكرار في الراء صفة ذكرت لتجتنب، وهذا قول ليس عليه دليل ! إذ الدليل مع التكرار والنص يؤيده بلا مراء، وقد ذكر أبو حيان: أنه ظهر في شرق الأندلس وغربها من قال بالتكرار وعدمه، أماَّ أنا فقرأت بالتكرار على مشايخي الفضلاء؛ الشاعر والقاضي وعامر والزيات.

س- ما رأيكم في الدورات المكثفة لحفظ القرآن الكريم في شهر أو شهرين لا سيما وأن فيها حفظ لأوقات الشباب بما ينفعهم ؟

العنوان هو الذي يحدد صحة الشيء أو عدم صحته، والمسميات هي التي تلزم الحكم، فإن قالوا دورة مكثفة لخدمة الشباب ورعايتهم وتعليمهم فهذا شيء لا غبار عليه، بل هو شيء محمود وحميد يشكرون عليه إذا توفرت فيه النية الصالحة مع العمل الطيب، لكنهم إذا قالوا دورة مكثفة في حفظ القرآن الكريم في شهر أو شهرين فنحن نتكلم عن هذا العنوان بنصه، وإن كان هؤلاء الذين يعلنون هذا الإعلان قد أصابوا نجاحا فليأتونا بآية مبينة وليأتوا بشخص أو أشخاص لم يكونوا قد حفظوا القرآن من قبل ثم حفظوا القرآن بانتظامهم في هذه الدورة ، ونقوم باختبارهم، ولو كان القائم على هذه الدورات من حفظة القرآن الذين سبقت لهم تجربة في حفظه فلا أظنه يدعي أن هذا ممكن وعلى هذا فالاعتراض ليس على العناية بالشباب وما يفيدهم في أوقات فراغهم وحفظهم من الملهيات وإنما الاعتراض على العنوان، فلتسمى الأشياء بأسمائها.

س- هل يستحق الطالب الإجازة بمجرد تمام قراءته وختمه على الشيخ ؟

نعم يستحق الطالب الإجازة بعد الختم، فإذا كان الشيخ لا يريد أن يعطي الطالب الإجازة لسبب معنويّ ؛ لكونه لم يتقن التلقي عن شيخه فينبغي أن يصرفه قبل أن يختم، وهذا يتبين في الثلث الأول من القرآن، أما إذا أبقاه عنده حتى انتهى من كامل المصحف فلا يجوز له بحال من الأحوال حجب الإجازة عنه لأنها أمانة موضوعة عند الشيخ يوصلها للطالب المستحق.

أما إن كان بائعا للإجازات بثمن معلوم أو غير معلوم أو مشروط أو غير مشروط؛ فإني لا أرغب في الإجابة على هذا السؤال !

س- ما رأيكم المختار في النطق بصفة القلقة وبمقدار الغنة ؟

القلقة : تجنح إلى الفتح، ولا تتبع ما قبلها في شيء وليست مفتوحة، ونحن تلقيناها بهذه الكيفية عن مشايخنا وقرأنا بها على أساتذتنا.

وأمَّا الغنة فإنها تتبع رتم القراءة؛ فالغنة في قراءة التحقيق أطول منها في قراءة الحدر والسرعة بالقراءة.

س- ما هو مذهبكم المختار في مسألة نطق الإخفاء الشفوي والإقلاب ؟

مذهبنا المختار هو القراءة بالانفتاح، وقد نص عليه ابن الجزري في الصفحة السابعة عشر أو التي بعدها، حيث قال –رحمه الله ما معناه- : إن الذي يقرأها بالإدغام التام فهو مغفل ! أو كلمة نحوها، ونص الجمزوري أيضا بقوله: ميما بغنة مع الإخفاء، والإخفاء لا يتأتى بإطباق الشفتين وإنما بوجود فرجة حقيقية بينهما لإن الإخفاء حالة متوسطة بين الإظهار والإدغام، ويكفي نعت ابن الجزري لهؤلاء القوم في كتابه الكبير؛ النشر، ومن أراد الحق فليرجع إليه.

وهم ينسبون القول بالفرجة للشيخ عامر وكأنها من اختراعه، والحق أنها من كلام ابن الجزري، وإنما تغافل عنها الناس وانتبه لها الشيخ عامر –رحمه الله-.

س- ما رأيكم في الضاد الظائية، وهناك من ينسب القول بها للشيح حسن الشاعر –رحمه الله-؟

الضاد الظائية بدعة ! استحدثها بعض الأعاجم وتبعهم بعض العرب، فأسقطوا حرفا من حروف الهجاء، وجعلوا الحرفين حرفا واحدا، وليس لهم حجة  في هذا ولا دليل من نقل صحيح ولا سقيم.

والشيخ حسن الشاعر لم يسمع بهذه الضادات ولم يتحدث بها أحد عنده، وهو مع كبر سنه إلا أنه كان فصيحا في حروفه وليس فيه أدنى التباس.

وأذكر أنكم يا فضيلة الدكتور نقلتم عن الشيخ السمنوديّ في هذه المسألة، وكأني بك قد سجلت هذا صوتاً وصورةً عنه، إذ اشتهر على ألسنة الناس: أنه يقول بهذه الضاد الظائية، وكأنّه كذَّبَ نسبتها إليه في ما نقلت أنت عنه رواية بالصوت والصورة، وأن الذي يدين الله به أنه على مذهب الإمام ابن الجزري؛ حيث امر بالتمييز بينهما فقال: ميز من الظاء.

س- هل بقي أحد من المرجعيات العلمية التي أدركتموها وتوصون بها ؟

يوجد ممن نجلهم ونحترمهم ونقدر لهم مكانتهم العلمية؛ الرجل الأديب الأريب الشيخ عبدالرافع رضوان الشرقاوي، فهو ممن يميل الرفيق إليه ولا يميل عنه، له دراية وباع طويل في التدريس، وقلما يوجد أو لا نعلم له من يضاهيه في بضاعته.

س- استغرق تسجيلكم للمصحف في مجمع الملك فهد فترة بلغت الخمس سنوات وهي فترة زمنية طويلة لتسجيل مصحف واحد، حتى أنه توفى في أثناء التسجيل اثنان من أعضاء اللجنة، فما السبب في طول فترة التسجيل؟

طول فترة التسجيل للمصحف بالمجمع كان سببه التدقيق الكثير والعناية بالوقف والابتداء، وكان لنا كثير من الأمور التي أحببنا أن تتوفر لهذا المصحف؛ لإن اجتماع اللجنة بالشكل الذي تمَّ أمر من عطايا رب العالمين، ولم تجتمع هذه اللجنة لمصحف مثل هذا المصحف واللجنة هم المشايخ الفضلاء: أحمد الزيات، وعامر السيد عثمان، وعبدالفتاح المرصفي، وسيبوية، وعبد الرافع رضوان، وجادوا أخيرا، وبرئاسة فضيلة الشيخ علي الحذيفي، غفر الله للميت وبارك في الحيّ.

فأردنا أن نقدم نموذجا أكاديميا لعمل المصحف، وكان لا بد من التأني والدقة بحسب قدرات البشر، والنقص ملازم لنا، فحيث وفق الله في هذا العمل؛ جاء ممتعا وشافيا، وحيث ظهر فيه النقص فذاك من إبراهيم الأخضر عفا الله عنه، لا يشاركه فيه أحد وهو على الأصل.

س- هل هناك ما يمكن تسميته بمدارس الإقراء؛ فنقول المرسة المصرية والشامية والمدنية وغيره ؟

نعم هناك ما يمكن تسميته بمدارس للإقراء، فهي مدارس موجودة؛ المدرسة المصرية والمغاربية والشامية والعراقية والباكستانية والأفغانية والهندية والتركية.

وربما كان التقاء هذه الأجناس كلها في المملكة العربية السعودية بشكل عام وفي الحرمين الشريفين بشكل خاص أظهر شيئا من المقابلات بين هذه المدارس، فلا يوجد في الهند وباكستان غير مدرسة واحدة، كما لا يوجد في بلاد الشام غير مدرسة واحدة، أما هنا فالتقت الأجناس، وطبيعة الاختلاف التعليميّ سوغ وجود عدة مدارس في مكان واحد.

س- ما هو أحسن مصحف مطبوع في الوقت الحاضر؟ وما هو أحسن كتاب في علم التجويد؟ وفي علم الوقف والابتداء؟

مصحف مجمع الملك فهد هو أحسن مصحف مطبوع من كل جهة، فهو أحسن المصاحف المطبوعة.

وأما أحسن كتب التجويد فمنظومة المقدمة الجزرية لا بن الجزري، وشرحها لشيخ الإسلام زكريا الأنصاري،  وتحفة الأطفال للجمزوري، وأما كتب الوقف والابتداء فإن كتاب (منار الهدى في الوقف والابتداء) للأشموني جيد في بابه.

س- ما رأيكم بالمصاحف التي تستخدم لها الألوان لتوضيح مثل التجويد وغيره ؟

المصحف الملون لا بأس به لمن استفاد منه، فهو شيء طيب يضاف إلى ما يستعين به القارئ من الوسائل الحديثة في مرحلة تعلم أحكام التجويد.

س- ما هي أحسن شروحات متن الشاطبية ؟

الشروح لهذا المتن العظيم كثيرة، ممتعة وجميلة، فمنها شرح الشيخ القاضي المسمى: الوافي، ومنها شرح شعلة للشيخ الموصلي فهو شرح مختصر وممتع.

وهناك منزلة أخرى وهي أعلى كشرح أبي شامة للمتقدمين جداً وليس للمبتدئين، وهناك شرح يخص العلماء وهو شرح الجعبري، وحاشيته المفقودة؛ حاشية الفنري على شرح الجعبري.

س- ما هي أحسن شروحات متن الدرة المضية ؟

الدرة؛ لها شروحات كثيرة من أحسنها شرح شيخنا الشيخ القاضي عليها فهو شرح لطيف جداً وميسر وقريب.

س- هل يمكن قراءة القراءات من غير حفظ للمتون الجامعة لها كالشاطبية والدرة والطيبة ؟

لا بد من حفظ المتون او الكتاب الذي يقرأ من طريقه كما قرر ذلك العلماء ، وحفظ المتون أيسر من حفظ الكتب النثرية، فقبل أن ينظم الشاطبيّ منظومته كان الناس يقرأون بمضمن كتاب التيسير ويصعب حفظ كتاب التيسير لذا قال الشاطبي رحمه الله : وفي يسرها التيسير رمت اختصاره، فجعلها ميسرة للتيسير. فلا بد من حفظ المتن أو الكتاب والأمر بين يديك!

س- ما رأيكم بالقراءة بالجمع في المجالس والمحافل ؟

الجمع في قراءة القراءات إنما هو وسيلة تعليمية خاصة بين الشيخ وبين الطالب، والجمع ليس علماً وإنما هو وسيلة مؤقتة يختصر بها التلميذ الطريق الطويل بين يدي الشيخ، وليس لها قيود، وإنما هي اختيارات لكل شيخ ما يرتضيه، وأصل القراءة الإلتزام بمصحف، إذ لا يجوز القراءة بما يخالف المصحف ولا تصح، والقراءة أمام الناس بالجمع أمر لا يخدم القرآن الكريم، بل يشوش على السامعين، وربما أثار من الجهال من يعترض على ما لا يعرفه منها وربما أنكر شيئاً من القراءة الصحيحة بسبب العرض الذي سمعه من الشخص القارئ.

فعلى القارئ أن يقرأ لوجه الله تعالى، وأن يلتزم بقراءة واحدة من أول قراءته إلى آخرها، بوجه واحد مما يوافق رسم المصحف سواء كان مصحف ابن عامر أو مصحف أبي عمرو أو مصحف ابن كثير أو غير ذلك، ومن جعل (الجمع) علماً فكلامه باطل باطل باطل، وإنما الجمع وسيلة.

س- ما رأيكم بالتسجيل الصوتيّ للقراءات العشرة أو السبعة جمعا ؟

إن كان الغرض من هذا التسجيل هو التعليم؛ فإن الطلاب لا يمكن أن يتعلموا القراءات بمجرد سماعهم للمصحف مسجلا بل لا بد من النقل الصحيح من واحد لواحد مشافهة، والذي هو الركن الركين في هذا العلم الشريف، وإن كان الغرض من تسجيل الجمع الصوتي للقراءات العشر لمجرد تداوله بين الناس كغيره من تسجيلات المصحف فقد سبق الجواب عنه وعن محاذيره في السؤال السابق.

س- ما هي قصة مشيخة القراء بالمسجد النبويّ ؟

لمّا توفي شيخنا الشيخ حسن الشاعر والذي كان يشغل وظيفة شيخ القراء بالمسجد النبويّ طلب الشيخ عبدالعزيز بن صالح تعييني شيخاً للقراء بالمسجد النبويّ لكوني تلميذا للشيخ الشاعر، وكتب إلى الرئيس العام لشؤون المسجد الحرام والمسجد النبويّ سليمان بن عبيد واتفقوا على ذلك، ثم كتب الشيخ بن صالح خطابا إلى رئيس ديوان خادم الحرمين الشريفين يخبره بالاتفاق الذي تمَّ ويطلب موافقة خادم الحرمين الشريفين في ذلك الوقت الملك فهد رحمه الله على تعيين إبراهيم الأخضر شيخا للقراء، لأن مشيخة القراء في المسجد النبويّ قديمة جداً فجاءت الموافقة.

س- من مذهبكم ترك القراءة بالتكبير من رواية البزي عن ابن كثير، وبهذا المذهب كانت قراءتي على فضيلتكم، وألّفتم في ذلك رسالة تنصرون بها ما ذهبتم إليه، ويخالفكم في هذا معظم القراء المسندين فما حجتكم حفظكم الله ؟

التكبير ليس قرآناً، بدليل أن ابن الجزريّ قال في منظومته الطيبة : في كل حال ولدى الصلاة.

ومن المعلوم أن مذهب الشافعية ليس فيه التكبير لدى الصلاة حيث لم يذكروا ذلك  في كتبهم، معنى ذلك أن هذا حديث وليس قرآن، أنا ناقشت الموضوع مع الشيخ عبدالفتاح القاضي قبل أن أقوم بتأليف الرسالة التي كتبتها في هذا الموضوع فقال لي: نحن حتى نخرج من المسؤولية، فإننا نقول : إن التكبير متسلسل إلى حد البزيّ، وأمّا ما بعد البزيّ وفوق فنحن ليس لنا دخل.

وحتى نعلم أن التكبير ليس من القرآن في شيء، انظر إلى البزيّ قرأ على ابن كثير وهو قرأ على مشاهير، ومع ذلك فإن رجال إسناد حديث البزي في التكبير ليسوا من نفس سلسلة أسانيده في القراءة، والعجيب أن ابن الجزريّ توسع في هذا حتى قال : وروي …. عن كلهم أول كل يستوي.

وهذا الحديث لم يروه أحد إلا البزي والذي ورد عنه أحاديث موضوعة يعرفها المتخصصون.

فنحن في أمر القراءة نفرق بين القرآن والحديث، فما روي قرآنا قبلناه وما روي مما يتعلق بالقرآن حديثا فإن له قواعد عند المتخصصين.

س- من مشاريعكم التي ستخرج بإذن الله تسجيلكم لمصحف ورش من طريق الشاطبية على توسط البدل، هل تعطوننا مزيد بيان عن هذا التسجيل ؟

عمدنا إلى تسجيل مصحف برواية ورش لما ترسخ في أذهان الناس أن رواية ورش عن نافع عبارة عن مدود طويلة، وتسهيلات للهمزات متعددة، ونقل وتقليل، وكأنه من مجموع هذا العمليات التي تقوم عليها رواية ورش كأنها صارت عائق عن إدخال الروحانيات على التسجيل نفسه حتى يعطيه رونق من الجمال الحسيّ والتعبيريّ فتنتقل بالناس إلى جو غير معهود في تسجيل المصاحف المرتلة، فهي فكرة جديدة على الناس، فتسجيلنا لمصحف ورش أدخلنا فيه روحانيات وإحساس بالمعاني والتأمل، فكانت هذه الصورة المعبرة عما في هذا المصحف، وركزنا على جوانب تؤهل السامع لمزيد من الاستماع، فمثلاً نأتي في المصحف إلى الحوار بين الشخصيات التي تتكلم عنها الآيات الكريمة مثل الحوار بين موسى عليه السلام وفرعون الطاغية في سورة طه، فوظفنا الأداء النغمي فيها توظيفا جيدا رغم صعوبة تنفيذ هذا لكن التوفيق من الله تعالى، فنأتـي إلى كلام موسى فنقرأه على نغم أو مقام صوتيّ معين ثم نأتي بالكلام الذي يتكلم به فرعون على مقام آخر وهكذا كل حوار بنغم مختلف فكأن كل كلام موسى عليه السلام في هذه المحاورة سجل لوحده على مقام واحد وكلام فرعون لوحده سجل على نغم واحد ثم أضيف لها الجوانب التشويقية.

هذا إضافة إلى تفعيل الجوانب الأدائية في كل موضع بما يناسبه كالجانب الحسيّ المرهف ونحوه، فمثلا : في سورة يوسف عند قول الله تعالى : ( ثم أذن مؤذن أيتها العير إنكم لسارقون) فهنا تجد أن سمعك وفهمك يتوقف ! فنحن قرأناها في هذا المصحف بطبقة صوت منخفضة ! وحق معناها الظاهر أن يكون الصوت في أعلى مراتبه لأن المقام مقام آذان والأذان لا يكون إلا برفع الصوت، لكننا عند تسجيل هذا المصحف سجلناها بالصوت المنخفض وهو أننا نريد إفهام المستمع –بلغة الأداء- أن المؤذن هنا تحديدا لم يرفع صوته؛ لأن يوسف عليه السلام لم يكن يقصد من ذلك الآذان فضيحة أخوته أو التشهير بهم وإنما كان لحاجة هو يريدها، وهذا من آداب النبوة ، ففي هذا المصحف اجتهدنا في إعطاء كل شيء حقه، وقاعدة الأداء عندنا أن التوظيف الصوتيّ لمثل هذه القضايا يعطيها بعدا أجمل وتوضيحا أكثر، وهو من قبيل قول أبي موسى الأشعري رضي الله عنه : (لحبرته لك تحبيرا).

وفي هذا المصحف بذلنا جهدا أكبر في صحة الوقف والابتداء، ولم نأخذ من وقوف الهبطيّ إلا ما استحسناه من جملة وقوفه، فكان لنا اختيارات في الوقف والابتداء في هذا المصحف وفي المصحف الذي سجلناه في المجمع.

س- هل من وصية لأبنائكم من الحفظة والحافظات ؟

القرآن مائدة الرحمن، والحفاظ رجالاً ونساءً ينبغي عليهم أن يستشعروا أمراً واحداً خطيراً في حياتهم، وأن يجلسوا مجلس محاكاة للنفس؛ هل تحب القرآن يا فلان ؟ هل تسعد به ؟ وفي وقت صفاء النفس يبحث عن الإجابة ! فمن عنده جوهرة من جواهر الدنيا فإنه يسعى لأن تكون في مكان آمن، فهي كنزه ولا يرغب أن يفقد منها جزءاً مهما كانت الأسباب، لكنَّ هذه الجوهرة عند أهل القرآن رجالا ونساء هي: القرآن العظيم وليس لها بديل يشترى أو يهدى أو يسرق أو يؤخذ غصبا فكيف العمل ؟ لذا وجب على أهل القرآن من الحافظين والحافظات أن يحافظوا على ما استودعه الله عز وجل في قلوبهم كأشد ما تكون المحافظة، وذلك بالعمل بهذا الكتاب العزيز وعدم مخالفته، وتعلمه وتعليمه.

 

صفاته وخصائص منهجه وأسانيده ومتفرقات

صفاته وخصائص منهجه

من منهجه في الإقراء أن القراءة عملية تأخذ وقتها وعمرها الزمني، فعلى الطالب ألا يستعجل الختم والانتهاء، بل إنه بمجرد ما وافق الشيخ على إقراءه فإنه يضرب له موعدا محدداً من أيام الأسبوع ليكون موعدا لقراءته، فكل طالب له يوم أو أكثر في القراءة على الشيخ الكبير ، يبدأ الطالب بالقراءة على الشيخ، والذي يجتهد ويصبر في تحقيق قراءة تلميذه وتدقيق أدائه ويعطيه الفرصة للضبط والإتقان، وإذا ما وجد الشيخ أن التلميذ غير قادر على المضي قدما في تطوير نفسه أو التجاوب معه في ما يُعَلِّمُهُ إياه -وهذا عادة يكون في الثلث الأول من القرآن- فإن الشيخ يعتذر عن الاستمرار معه ويصرفه ليستفيد من غيره.

ولهذا فإن الشيخ الأخضر يعتذر عن المشاركة في الدورات المكثفة أو الدورات التجويدية أو دورات الإقراء المحدودة بفترات زمنية معينة.

فهو على إمامته وجلالة قدره ورحلة الناس إليه فإنه مقل من التلاميذ والتلميذات لأن غايته من الإقراء؛ الضبط والإتقان، ولهذا فإن كل من قرأ أو عرض القرآن عليه يعرف حجم التأثير الذي أحدثه الشيخ في تلاميذه في طرائق التعليم والإقراء.

ولأجل ذلك كان تلاميذه من أكثر تلاميذ المشايخ تأثيرا في طلابهم، وعلى مستوى عال في النقل والرواية.

طلبت منه مرة أن يسمح لي بتسريع القراءة لظروف دراستي آنذاك ثم إني أرتحل إليه من بلدي ! فقال لي بنبرة حازمة: لماذا رحلت إلى المدينة ؟ ثم عقب قائلاً : حتى يقال قرأ على الشيخ الأخضر، ثم أخذ يسرد علي شيئا من سيرته في مسيرته في القراءة ؛ فذكر لي بعضا من مواقفه في القراءة على الشيخ الشاعر والشيخ القاضي وكيف أنه كان لا يستعجل مشايخه في درسه ولا يكثر عليهم في ذلك ، فهو يحضر للدرس كل يوم  من أول الحاضرين ، فمتى ما طلب منه شيخه القراءة فإنه حاضر مستعد بحفظه ومراجعته، وربما حضر للدرس يوما من أوله من بعد العصر ومكث إلى وقت العشاء ولم يعطيه الشيخ الفرصة للقراءة ، وربما جاء بعده طلاب فقرؤوا قبله وهو سابق لهم فلم يكن ذلك يترك في نفسه أثرا؛ لأنه فرغ وقته واستفرغ جهده وركز عقله ثم قلبه فنال بذلك الصبر أعلى المراتب ، حتى سلم له المتخصصون من أهل الأداء بالضبط والإتقان والتحقيق.

ومرة قرأت عليه -بالقراءات في مجلس واحد تجاوز الساعتين- آية واحدة من سورة المائدة وهي قول الله تعالى ( ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل .. إلخ الآية) فبدا لي أن أستأذنه في تسريع وتيرة الدرس فقال لي مغضبا : أتريد مني أن نتخلى عن قواعد الضبط وتحقيق الأداء من أجل بن جارلله !

وهو لا يسمح للطالب أن يتجاوز الآية بل الكلمة القرآنية إلا بنطق محقق صحيح، حتى ولو ذهب وقت الدرس في تلك الكلمة أو الآية، وربما أوقف الدرس إذا لم يتمكن الطالب من تحقيق الحد المرضي من عملية الأداء ويطلب منه مراجعة الدرس والتحضير له في المجلس القادم.

ثم هو يحترم الطالب كأشد ما يكون الاحترام، فإذا ما وافق على إقراء طالب من الطلاب فإنه يخصه بوقت له مخصوص، فإذا ما شغله شاغل يمنعه من حضور الدرس من سفر أو عذر ، فإنه يشعر طلابه بذلك، فهو يلتزم لطلابه بما تفضل عليهم من وقت القراءة والإقراء، فإذا ما عرض له عارض أو شغله شاغل اعتذر وأجل وعوض.

وله في درسه ومع طلابه خصيصة لا تكاد توجد عند غيره من مشايخ الإقراء ألا وهي :  عنايتة الكبيرة بعلم الوقف والابتداء، كما أن له أساليب مشوقة في عملية القراءة والإقراء، فلا يسمح للطالب أبداً أن يقف حيث لا يصح الوقف أو يبدأ حيث لا يسوغ الابتداء، بل إنه يدل طلابه على اختياراته في الوقف والابتداء، ويوجه لهم تلك الوقوف والابتداءات، بل إنه لا يعرف عنه في قراءته في جميع أحواله إلا وقف وابتداء صحيحان حتى يخيل إليك أنه يقرأ من مصحفه وقرآنه.

ولهذا كان له -في مصحفه المسجل في مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف ثم الختمة التي سجلها براوية ورش عن نافع- اختيارات كثيرة في الوقف والابتداء، خالف فيها رأي اللجنة التي أشرفت على تسجيل المصحف في المجمع مع جلالة قدرها وعلو شأن رجالها وإمامة القائمين عليها.

وهو يستثير في طلابه روح البحث والتفكير، حتى أصبح الطلاب وهم في مناطقهم وبلدانهم ربما يتداولون المسألة الواحدة بالبحث والمدارسة والاطلاع، وكثيرا ما سألني في مسائل متفرقة من مواضع إعجاز القرآن العظيم وبيانه وربما طلب مني –وقد فعل ذلك كثيرا- الرجوع إلى كتب أهل العلم من المفسرين وغيرهم، وفي قراءتي عليه في كلا الختمتين قيدت ونقلت عنه من إملائه –ولا أزال- نقولات كثيرة، وذلك في مواضيع متفرقة من إعجاز القرآن وبلاغته والتدبر في أساليبه ومعانيه وهو في ذلك كله يستحضر قول الله تعالى: (كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته)، وقوله تعالى ( أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها)، وحديث: أبي جحيفة قال: قلت لعلي -رضي الله عنه- هل عندكم شيء من الوحي غير القرآن؟ قال: لا والذي خلق الحبة وبرأ النسمة، إلا فهما يعطيه الله تعالى رجلا في القرآن)، وربما تخلل تلك الدروس –وهو كثير- لطائف من الأدب والشعر حيث أن لديه مخزون لا ينفد من شعر العرب وقصيدهم ونثرهم.

فدرسه أشبه ما يكون بالتلقين، فهو يرد الطالب عندما يخطئ في الكلمة أو الحرف حتى يأتي بها على التمام، فمجلسه للإقراء لا يحتمل غير العرض والسماع، فهو لا يدخل في مسائل التجويد المختلفة، وإنما هو قراءة من الطالب وتحقيق وتدقيق من الشيخ، من غير حديث ولا كلام، بل بإشارات يفهمها الطالب ويدركها، وهذا المنهج –في رأي- من أفضل المناهج التي تعين الطالب على الضبط والإتقان، فالمقصود من عملية الإقراء هو ضبط النص القرآني على الوجه الصحيح، وأما الدراية فلها وقت آخر.

وهو بمنهجه هذا قد تميز بجلد عجيب في الصبر على الطالب حتى يضبط ويتقن الأداء؛ وهذا عند من يعرفه قليل جداً في أوساط المشايخ والمقرئين.

ولهذا وذاك صار مصحفه المسجل والذي يذاع باستمرار في الإذاعة والتلفاز يوصي به المدرسون في حلق التحفيظ للناشئة والمتعلمين، وذلك لما تميز به من النطق الصحيح للحروف والكلمات، ومن  العناية الفائقة بالوقف والابتداء، ولما اختص به من التعبير عن المعاني القرآنية من خلا الأداء.

وأما مجلسه لإقراء النساء فإنه يكون حينا في فصول الدرس من خلال الشبكة المغلقة، واستقر أخيرا على شكل درسين أسبوعيا في بيته، وذلك من وراء ساتر وحجاب، وبحضور من تيسر من أهله وبناته، وعمر هذا الدرس المبارك أكثر من عشرين سنة ولا يزال.

ومن مناقبه : أنه لم يتغير البتة مع توليه لجملة من المناصب والمهام، فمن عرفه وتتلمذ على يديه يعلم أن معدنه أصيل، وأن تلك المناصب في وقتها لم تزيده إلا محبة وتواضعا.

ومن خصائصه ثقافته الواسعة، فلا يكاد يذكر أمر أو موضوع للنقاش والمحاورة إلا وجدت عنده منه خبرا وطرفا منه، سواء في العلوم الشرعية أو الطبيعية أو حتى في أمور الدنيا.

ومن خصائصه أريحيته وانبساطه مع تلاميذه وجلسائه ومحبيه.

ومن مناقبه: أسلوبه المشوق في النظر والتدبر في المعاني القرآنية وإليك مثلٌ من تأملاته واختيارته، وقد كتبت عنه في ذلك شيئا كثيرا أرجو أن يخرج في كتاب مستقل أسميته : الحواشي الأخضرية على الأساليب البلاغية للآيات القرآنية :

قال في قوله تعالى : (لكل أجل كتاب ،، يمحو الله ما يشاء ويثبت)

توسطت كلمة كتاب بين كلمتي : (أجل) ، و(يمحو) ، فاكتسبت معنيين :

  1. معنى الكتاب لمعنى الوقت والزمن، وذلك بقرينة قوله : (أجل)
  2. واكتسب الكتاب المعنى الآخر أي : الشيئ المكتوب، فبقرينة : (يمحو)

فانظر إلى هذه الجوهرة كيف أضاءت في جانبين ! فهل في مثل غير كلام الله أو في غير كتاب الله مثل هذه البلاغة ! وهذا الإعجاز !

وفي قوله تعالى في سورة الكهف: (  الحمد لله الذي أنزل الكتاب على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا * قيما)  التعبير بعدم العوج يغني عن قوله بعده (قيما)، فما البلاغة في تكرر نفي العوج عنه بعد قوله (قيما) ؟

قال حفظه الله: يتبين في هاتين الكلمتين بلاغة القرآن وإعجازه الذي لا ينتهي ، ففي كلمة (عوجا)؛ العِوج بالكسر إنما يأتي في المعاني، والعَوج بالفتح إنما يأتي في الأشياء، ولما أراد الله سبحانه وتعالى المبالغة في نفي العوج عن القرآن وهو شيئ من الأشياء عبَّر عنه بما يُعَبَّرُ به عن المعاني لأن التعبير عن المعاني أبلغ وأوسع، فقال (ولم يكن له عِوجا) بالكسر.

ثم لما كان في مفهوم العرب أن نفي العوج عن شيء لا يمنع أن يكون فيه قليل  أو يسير منه، لا يدركه إلا المحقق والمدقق وصاحب الآلة، كالمسطرة يفترض أنها مستقيمة جداً فلو وضعناها تحت مجهر قويّ لـتبين فيها اعوجاج يسير ، ولهذا وحتى يبالغ في نفي هذا الذي قد تركن إليه النفس قال (قَيِّمَا) ، فنفى عنه العوج أولا ثم وصفه بأنه (قيما) حتى لا يبقى مطمح لنفس في وجود شيء يسير لا تصل إليه الحواس والمدارك.

وسألني مرة: لماذا ختمت آيات الإنفاق في سورة البقرة  كقوله تعالى: ( الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله إلخ) وأخواتها، بقوله تعالى (فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون) ؟

فأملاني قائلاً: المنفق من أهم الأمور التي تعترض طريقه ؛ الخوف من  نقص المال ، ثم إذا اعتراه الخوف من نقص المال جاءته صفة أخرى إضافية وهي الحزن، فالخوف لا يكون إلا قبل الإنفاق، والحزن لا يكون إلا بعد الإنفاق، ولهذا جاء التعبير بهاتين الصفتين لتضع الطمأنينة في قلوب المؤمنين بأن ما يعتور الناس في هاتين الحالتين القبلية والبعدية في مدرج الإنفاق ، فإن الله سبحانه وتعالى أمنَّهم فيه وأعطاهم الطمأنينة بدل الخوف ، وأعطاهم الراحة بدل الحزن، فأعطاهم الطمأنينة بأن ما عند الله خير وأبقى وأعطاهم الراحة  والسكينة بعد الإنفاق.

وسألني أخرى: ما هو السر في التعبير بكلمة (سبيل) بدلا من كلمة (طريق) في قول الله تعالى ( مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله) ؟

ثم أجاب: السر في ذلك هو الإعجاز الصوتي في حرف السين في كلمة (سبيل) والتي تحمل معنى جديدا ومختلفا عن كلمة (طريق) على الرغم من وجود حرف الطاء الذي هو من حروف الإطباق والاستعلاء، وذلك أن حرف السين فيه صفة الصفير التي تعطي الحرف مرونة وسلاسة وانسيابية، فكأن النفقة عندما تخرج من يد المؤمن لله تعالى تكون خالية من التردد ؛ فلا شيء يمسكها، بحيث لا يوجد أي نوع من  التردد النفسي المانع لجريانها فهي لا تجد في خروجها من يد المؤمن عارضا يعترضها أو شيء يمسك بها، فحرف السين فيه صفة السلاسة التي هي صورة المؤمن حينما يعطي لله.

وقال لي مرة : كنت أصلي بالناس صلاة الصبح في مسجد السبق فقرأت قول الله تعالى: في سورة النحل (والله أنزل من السماء ماءا فأحيا به الأرض يعد موتها إن في ذلك لآية لقوم يسمعون) ، فطرأ لي سؤالا ! ما مناسبة ختم الآية بالسماع مع أن الآية جاءت في سياق الحديث عن نعمة نزول المطر وخروج النبات من الأرض فكان مقتضى السياق أن يختم بالدعوة للتأمل بالنظر والإبصار ؟ فما علاقة يسمعون بنزول الماء من السماء وإنبات النبات من الأرض؟

فكتبت عنه في هذه المسألة: فكما أن نزول الماء من السماء ثم أحياء الأرض بهذا الماء كل ذلك يدرك بالحاسة البصرية وبالمشاهدة فإن هذا الكتاب المذكور في قوله: (وما أنزلنا عليك الكتاب) لا يحتاج إلا للسماع، فالذي يسمع القرآن يحدث له كما يحدث للأرض حينما ينزل الماء وينبت الزرع، فالذي يسمع القرآن ويعمل بما فيه ينبت الإيمان في قلبه فيغدوا روضة ناظرة، ويظهر في وجهه وعلامات أساريره حيث تشرق عليه أنوار الذكر الحكيم، فهو ضرب مثلا لما يشاهد بالعين وبالحس، ولكن قوله: (إن في ذلك) أي في القرآن الذي سبق بالآية قبلها فإنه هو الذي يحتاج لمطلق السماع ، وما يفعله القرآن حينما يسمعه المؤمن هو صورة حقيقة لما يفعله المطر بالأرض لإنبات خيراتها !

فتذييل الآية الكريمة بـ(يسمعون)؛ استنهض غافلا من القلب، وشاردا من الطرف، لغرابة العلاقة بين أمرين : أحدهما مشاهد حسيّ، والأخر صوتيّ، وكيف ارتبط الأول وهو : ماء السماء بالسماع؛ لأنه مشاهد محسوس وهنا ركضت جياد الطلب في طرق شتى لإدراك أثر يدل على المسير أو شاهد يقرب ويعين العليل، فجرى الاستعانة بفرسان التفسير الذين لم يلقوا أقلامهم في نهرها حتى غاص ابن عطيه فأخرج -سلمت يمينه- صدفة ما إن فتحها حتى أضاءت لؤلؤتها بالسنا.

فهذه أول مسألة أشكل علىَّ فهمها، وكنت قلت لشيخنا القاضي إن جواب كتب التفسير عن هذه الآية أنه سماع تدبر وتفكر، فقال لي: (دول مش فاهمين زينا).

وقال في قوله تعالى : (قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاث ليال سويا)

في رأي أن الآية الكريمة وضعت علاجا استباقيا ، للمشكلة ، التي ستحصل ، لأن هذه المشكلة في وسط بني إسرائيل ستحدث ضجة غير عادية ، ولا يوجد ما يسكت بعض الأصوات الخبيثة عن الكلام في أعراض الأنبياء فكانت تلك الآية التي خصه الله بها ، فقال له : إنك تحتاج في مواجهة عناد بني إسرائيل، وشقشقتهم، وكلامهم المخادع، أن تصمت ولا تدخل معهم في مراء حتى تهدأ نفوسهم ويستكينوا ويكفوا.

وسألني في أحد الدروس قائلا: في قوله تعالى: (يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين) ، الآية تضمنت معنى وسر عجيب، فقد ذكر الله سبحانه وتعالى في مطلع الآية الكريمة عن صفة هؤلاء بقوله: (يحبهم ويحبونه)، فما هو السر البلاغي بتصديِر السياق  بقوله(يحبهم ويحبونه) مع أن المعنى المراد هو: فسوف يأتي الله بقوم إذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين ؟

فأجاب مرتجلاً: لأن النصارى واليهود وجميع أعداء الإسلام سيقولون : إن الله وصفكم بالذلّ  لو جاء الكلام على سياقه ، فأراد الله سبحانه وتعالى أن يمدحهم مدحا لا يلحقهم بعده قدح ولهذا قال: (يحبهم ويحبونه) قبل أن يصفهم بأنهم أذلة على المؤمنين … وأعزة على الكافرين .. ولهذا لم يكن لتأثير كلمة: (أذلة) أيَّ وقع غير مرضي في نفوس المؤمنين، لأن الله تعالى أعطاهم شارة الجمال والسؤدد والعز والتقدم ، ورفع مكانهم عاليا بين الناس بما خصهم به من هذه المحبة، فلا يصل إليهم غبار القدح في مكانتهم وإنما أصبحت الصفات التي هي: (الذل على المؤمنين ، والعزة على الكافرين) صفات كمال لهم وليست في مقام القدح ، فإن المحب لا يصف حبيبه بأوصاف تنقص من قدره ، ومثله جاء الخطاب في سورة التوبة عندما صدر بهذا الجملة الجميلة (عفا الله عنك لم أذنت لهم) فلو قدم (لم أذنت لهم) لتأولها المغرضون والحاقدون كما يريدون، فلهذا قدم جملة (عفا الله عنك) لئلا يظن به صلى الله عليه وسلم بعد جملة (عفا الله عنك) ما يتبادر إلى قلوب المنافقين والكافرين.

في قوله تعالى (إذ يتلقى المتلقيان عن اليمين ..)

عبر عن الكتابة وإحصاء أعمال الإنسان (بالتلقي)؛ لكي يفتح باب الرجاء للمؤمن على أن ما نجمعه من أعمالك وسعيك إنما يتلقى فليكن ما نتلقاه منك حسناً، فكلمة (التلقي) فيها معنى؛ البشارة.

وعبر في قوله تعالى : (وأمددناهم بفاكهة ولحم مما يشتهون) ولم يقل (وأعطيناهم) في قوله تعالى : لأن المدد يعني التواصل والاستمرار في العطاء وأنه لا يقطعهم الخير.

وقراءة البزي بالهمز في كلمة:(ضئزى) من قوله تعالى في سورة النجم (تلك إذا قسمة ضيزى)

جاء التعبير بكلمة غريبة في تركيبها، ولم يرد مثل غرابتها في القرآن؛ وذلك لتوافق ما جاءت به الآيات عنهم من المنطق الغريب الذي هم عليه من عبادة تلك الآلهة من دون الله.

واستعمل كلمة (يخلق) في حق مريم بدلا من كلمة (يفعل)، في قوله تعالى: ( كذلك الله يخلق ما يشاء) ) التي استخدمها في حق (يحي) عليه السلام،  مبتعداً عن يفعل لأن كلمة (يفعل) في مفهوم أعداء الله تعالى أنها الفعل الذي يقوم بين الذكر والأنثى للحصول على الولد، ولما كانت شهرة بني إسرائيل في بذائة اللسان وسوء الاعتقاد أمرٌ وتاريخ ينفردون به استعمل القرآن الكريم كلمة (يخلق) ليصرف الأنظار عن مكايد الكفار الذين يتجرؤون على مقام الألوهية والرسالة.

ما هو الإعجاز في التعبير بكلمة (بكم) من قوله تعالى : (فإنه فسوق بكم) ؟

إذا استغنى الناس عن الكتابة ، وأعرضوا عن توجيه القرآن الكريم ورأوا في إمكاناتهم الخاصة غنىً عن اتباع هديه حيث ينزل بهم ما لا قبل لهم به من تغير الحوادث والظروف بالموت أو التباعد أو النسيان ، فحينما يحتاج صاحب الحق إلى حقه لا يجد ما يعينه عليه فيلتفت يمنة ويسرة وشمالا وجنوبا لعله يجد ما يغيثه ويعينه على استخلاص حقه وإعادته إليه فلا يجد في جهة من الجهات إلا ذلك المطلب ، لأنه كان فرط فيه يوم كانت الأمور بيده ولا يجد حوله إلاَّ التفريط تفريطه من كل جهة، فكأنَّ المعنى في فسوق بكم ؛ أي : محيط بكم، ومنه قوله (وأحاطت به خطيئته)، فكلمة (فسوق بكم) أي: محيط بكم، فكأنه فسوق محيط بكم لأن الفسوق هو الخروج عن أمر الله، كقوله (ففسق عن أمر ربه) فمن اتقى الله في أول أمره جعل الله له مخرجا في آخره ومن استكبر على أمر الشرع أحوجه الله إليه، ولات حين مناص.

أسانيده

اختلفت أسانيد الشيخ إبراهيم الأخضر باختلاف أسانيد المشايخ الذين قرأ عليهم وتلقى عنهم، ويتحد الأسانيد الأربعة في الشيخ أحمد بن محمد المعروف بسلمونة، بحيث تصير الأسانيد الأربعة بعد الشيخ سلمونة إسنادا واحد لا يختلف، وتتحد أسانيده أيضا –بخلاف إسناده من طريق شيخه حسن الشاعر- في شيخ القراء والمقرئين محمد أحمد المتوليّ، وذلك على النحو النالي :

أمَّا إسناده عن شيخه الأول حسن الشاعر : فهو من رواية الشيخ/ حسن الشاعر، عن شيخه/ حسن محمد البيوميّ الشهير بالكراك، وهو عن شيخه/ محمد سابق، الذي قرأ على الشيخ/ خليل المطوبسي، الذي قرأ على الشيخ/ علي الأبياري، وهو قرأ على الشيخ/ عليّ  الحلو، الذي قرأ على شيخ قراء زمانه الشيخ/أحمد بن محمد المعروف بسلمونة.

وأما إسناده من قراءته على الشيخ أحمد الزيات : فمن رواية الشيخ/ أحمد عبدالعزيز الزيات عن شيخه/ عبدالفتاح هنيدي عن شيخه/ محمد أحمد المتولي عن شيخه/ أحمد الدري التهامي عن الشيخ/ أحمد بن محمد سلمونة.

وأما إسناده عن شيخه عبدالفتاح القاضي : فهو من قراءة الشيخ/ عبدالفتاح القاضي، على شيخه المحقق/ همام قطب وهو على شيخه المدقق/ محمد الحسيني الشهير بالحداد، وهو عن شيخه/ حسن بن خلف الحسيني، وهو عن شيخه العلامة/ محمد بن أحمد المتولي، وهو عن شيخه/ أحمد الدري التهامي، وهو عن شيخه/ أحمد محمد سلمونة.

وأما إسناده من قراءته على الشيخ عامر السيد عثمان : فهو من قراءة الشيخ/ عامر السيد عثمان، على شيخين جليلين هما : الشيخ/ علي سبيع، والشيخ/ همام قطب ؛ فأما الشيخ/ علي سبيع فقرأ على الشيخ/ حسن الجريسي الكبير، وهو عن الشيخ/ محمد أحمد المتولي، وهو عن شيخه/ أحمد  الدري التهامي ، وهو عن شيخه/ أحمد محمد سلمونة.

وأما الشيخ/ همام قطب عبدالهادي فمن قراءته على الشيخ/ علي سبيع بإسناده المذكور آنفا.

مقتطفات

وقد كان الشيخ الأخضر يربي في تلاميذه روح المحبة والألفة وتقدير العلماء، بما يرويه لهم من شأنهم وأخبارهم وجدهم وأسمارهم ؛ لما قدم الشيخ القاضي إلى المدينة للتدريس بالجامعة الإسلامية أراد الشيخ إبراهيم الأخضر أن يستغل تلك المنحة الثمينة والفرصة العظيمة للاستفادة من الشيخ الكبير ولكن كيف الطريق إليه ؟ قال : فذهبت إلى الشيخ عامر السيد عثمان وكان قد قدم في زيارة للمدينة المنورة، فقلت له: إن الشيخ القاضي قد قدم إلى المدينة أستاذا في الجامعة الإسلامية فهل تقترح علي أن أقرأ عليه ؟ قال لازم تقرأ عليه ! ثم أردف قائلا : ده أكبر عالم في الدنيا !

فقلت له أريد منكم شفاعة عنده ، قال لا بأس أفعل ،  اذهب إليه، وقل له: الشيخ عامر موجود في المدينة ويريد مقابلتكم في الحرم. قال الشيخ الأخضر: فذهبت إلى الشيخ القاضي وأخبرته برغبة الشيخ عامر، فقال: نذهب إليه إنشاء الله، قال: فجئنا على الموعد في المكان المحدد من الحرم، فإذا الشيخ عامر قائم يصلى ويتنفل وكان معتكفا في رمضان، فقال الشيخ القاضي سبحان الله دا الشيخ عامر لا يترك عادته ! فمنذ عرفناه وهو كثير التنفل والصلاة، قال الأخضر : وبعد أن انصرف الشيخ عامر من صلاته سلم الشيخ القاضي عليه سلاما حارا وأخذ يقبله ويدعوا له وتحدثا كثيرا، وبعد أن ودعه قال له الشيخ عامر: إن هذا إبراهيم الأخضر ابني، ضمه إليك ! وأفرغ ما في صدرك في صدره ! فقال لي الشيخ القاضي: أنت سامع الكلام ده ؟ قلت نعم، جلست أنتظر بعد عيد الفطر أن يأذن لي الشيخ القاضي بالقراءة عليه فلم يفعل ، حتى كان يوم الخامس عشر من شوال حيث طلب مني أن نزور الشيخ حسن الشاعر ليسلم عليه ويستأذنه في قراءتي عليه، ذهبنا لزيارة الشيخ الشاعر في مجلسه للإقراء، فسلم عليه القاضي وتحدث معه طويلا ثم قال له: إن إبراهيم من طلبة العلم ومؤهل للخير، فهل تأذن لي أن أقرأه تتمة القراءات العشر ؟ قال نعم وهو يستحق ذلك ، فبدأنا القراءة في مغرب ذلك اليوم ، وهكذا فقد كانوا متجردين للحق، يتواضع بعضهم لبعض، ويعرف بعضهم فضل بعض، مع أنهم أقران في العلم والسن، وكل واحد منهم عالم الدنيا في وقته !

وهو يربي في الناشئة حب القرآن العظيم ، ويغرس في قلوبهم تعظيمه وعدم الرغبة عنه إلى ما دونه ، فإذا ما التقى بهم في مناسبة قرآنية أو محاضرة تربوية أو حفل تكريمي روى لهم مايطمئن قلوبهم ويعلقها بالكتاب الكريم.

في أحد تلك المجالس المباركة قص عليهم قصة رجل من المسلمين دعاه أحد النصارى إلى قراءة كتابهم المقدس ومعرفة ما فيه. فقال المسلم للنصراني : هل يحفظ أحد من عوام النصارى ذلك الكتاب المقدس أو ما تسمونه الإنجيل ؟ قال لا ! فقال له : ربما يحفظه رهبان الكنيسة ورجال الدين ! قال لا ! قال له فربما يحفظه قسيس الكنيسة ورئيسها ! قال لا ! قال فربما يحفظه البابا الأكبر مرجع النصارى الأوحد ! قال لا ! فقال له الرجل المسلم : سبحان الله ! كيف تريدني أن أترك قرآنا عظيما يحفظه الصغير والكبير والذكر والأنثى والعربي والأعجمي والأعمى والبصير والأبيض والأسود، كتاب لو بدل الإمام فيه حرفا مكان حرف لضجت أصوات من يسمعه من المسلمين بالفتح والنكير، إلى كتاب لا يحفظه حتى علماء النصارى وقساوستهم وأهل الرأي فيهم ! فبهت الذي كفر.

كان له ولع بجمع الكتب وقراءتها، فبدأ يكوِّن لنفسه مكتبة علمية خصها بمزيد عناية من كتب القراءات والتجويد واللغة والأدب، حتى أنه صنع مكتبته بنفسه، بل إنه فصلها وصممها واشترى عدة نجارتها وقص خشبها  ثم صنع بنفسه دواليبها، وكان الشيخ محمد النمنكاني –وكان صاحب مكتبة- يخص الشيخ الأخضر بكتب القراءات ويحفظ له نسخته منها.

أقيمت محاضرة في دار الحديث لفضيلة الشيخ عبدالعزيز بن باز –رحمه الله تعالى-  بحضور جمع من كبار المشايخ والعلماء وطلبة العلم، افتتح الحفل بقراءة من القرآن الكريم تلاها الشيخ إبراهيم الأخضر، وقرأ بقراءة حمزة الزيات فوصل بين السورتين بلا بسملة على قراءة حمزة، فرد عليه الشيخ بن باز بأن بسمل لكن الشيخ الأخضر أعاد القراءة بالوصل من غير بسملة، وذلك ثلاث مرات، فلما انتهى الشيخ الأخضر من قراءته ، وشرع الشيخ بن باز في محاضرته، أخذ يتكلم عن قراءة الشيخ الأخضر وأن التسمية واجبة عند بدء السور وبين السورتين على ما انتهى إليه علم الِشيخ الكبير بن باز، لكن الشيخ أُبْلِغَ أن القراءة كانت بقراءة حمزة ومن أصوله القراءة من دون بسملة بين السورتين اتفاقا، وصارت مداخلات من العلماء الحاضرين منهم الشيخ عطية سالم والشيخ أبوبكر الجزائري، والشيخ تقي الدين الهلالي، والدكتور عبد العزيز القارئ، وطالب المشايخ رئيس الجامعة سماحة الشيخ بن باز بالعمل على افتتاح معهد للقراءات القرآنية،  فكتب الشيخ أبو بكر الجزائري ورقة قرئت على الشيخ فحواها : إذا كنا في هذا المحفل العلمي الكبير ننكر السنة فإلى متى ؟ وهل يجوز أن نبقى هكذا ؟ وأنا أطالب الجامعة أن تنشئ معهدا أو كلية للقراءات، هنا قال الشيخ بن باز: كان بدا لي ما سمعتم مني، ولكني أعود عما قلت، وأعدكم ببحث المسألة، فكبر الناس، وهذا الموقف لا يكون إلا من مثل الإمام الكبير بن باز، ثم كان هذا الموقف سببا في إنشاء كلية القرآن الكريم بالجامعة الإسلامية.

 من ذكريات درسنا في المسجد النبوي الشيخ عبدالرحيم عسيلان والذي لبث عشرين سنة يحفظ القرآن حتى أتم حفظه،  وأدركناه يجلس إلى جنبنا في الدرس وهو على عربيته ينتظر الصلاة بعد الصلاة حتى توفاه الله تعالى .

كان شيخنا كثيرا ما يثني على كتاب (تنبيه الغافلين وإرشاد الجاهلين عما يقع لهم من الخطأ حال تلاوتهم لكتاب الله المبين)  للإمام الصفاقسي، ويقول : إنه حوى مباحث لم تبحث في غيره من كتب التجويد.

من المواقف المؤثرة مع شيخه عبدالفتاح القاضي : قال كنت خطيبا في مسجد قباء عام 1400هـ ، فصليت خطبة الجمعة مرة وكان قد صلى خلفي شيخنا عبدالفتاح القاضي حيث كان بيته في قباء ولم أكن أعلم بصلاته خلفي أو عن وجوده في المسجد أصلا ، فخطبت الجمعة ثم نزلت وصليت بالناس وقرأت قول الله تعالى ( ألم تر أن الله سخر لكم ما في السموات وما في الأرض وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنه) إلى آخر الآيات، واجتهدت في تحبير الآيات وترتيلها فقرأت على راحتي ! فلما انصرفت من الصلاة، وقفت مع بعض الناس للسلام والكلام ثم مشيت في طريقي للخروج من المسجد وممسكا بيديّ والدي فإذا الشيخ عبدالفتاح القاضي واقفا ليس بعيدا عن مكاني فذهبت وسلمت عليه وقلت له: لقد شرفتمونا بالصلاة معنا فلم يرد عليّ ! فأمسكت والدي بإحدى يدي وأمسكت الشيخ بيدي الأخرى وأخذته معي في سيارتي وكان طوال وجوده في المسجد وبعد ركوبه في السيارة يبكي بكاء الخاشعين من خشية الله، ويردد قول الله تعالى ( ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك له)، ولم نتكلم حتى وصلنا إلى بيته فأخذت بيده ورافقته إلى باب منزله حتى دخل بيته ثم ودعته وغادرت، ثم جئت في الليل في موعد الدرس بعد صلاة المغرب، ثم سألته عن خطبة الجمعة ورأيه فيها ! فقال هذه أول جمعة أصليها في حياتي ، مع أنني أجزم ببطلانها ! ثم أردف قائلا لقد سَرَحَتَ بي في قراءتك، فسرحت في صلاتي، فهي باطلة !

لقد كان الشيخ القاضي يدخل جواً آخر، ويكون حالةً أخرى عند سماعه القرآن الكريم، فلم أرى في حياتي أناس يحسنون سماع القرآن الكريم مثل : الشيخ ابن باز والشيخ عبد الفتاح القاضي.

وختاما:  فإنَّ ما شرعت فيه من بيان لسير هؤلاء الرواد وبيان فضلهم ومناقبهم والتنويه بما لهم من الأعمال الجليلة والأيادي البيضاء هو مما نتقرب به إلى الله عز وجل ؛وذلك لإيقاظ الهمم وحفزها وتزويد المتخصصين بشيء من تجاربهم وإطلاع الناشئة على هذه القدوات المضيئة ليمشوا في طريقهم ويسلكوا دروبهم، فما كان من صواب فمن الله وحده، وما كان من خطأ وخطل فمن نفسي والشيطان، والله يتولانا جميعا بحفظه ورعايته وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.